Published On 3/5/2026
|
آخر تحديث: 19:51 (توقيت مكة)
كشفت شهادات صادمة من جنود احتياط إسرائيليين عن انتشار ظاهرة “النهب” الواسع النطاق في صفوف الجيش خلال العمليات العسكرية في قطاع غزة ولبنان. وتشير هذه التقارير إلى أن الأمر لم يقتصر على حالات فردية معزولة، بل تحول إلى ممارسات شبه ممنهجة، مدعومة بغياب الرقابة وتبريرات غريبة داخل وحدات الاحتياط، مما يثير تساؤلات جدية حول مدى الالتزام بالقانون والانضباط العسكري، ويشوه سمعة الجيش الإسرائيلي.
وفقاً لصحيفة “يديعوت أحرونوت”، فإن الرقيب “أ” – الذي فضلت الصحيفة عدم الكشف عن اسمه الكامل – روى تفاصيل مقلقة حول ما شاهده على الحدود وفي قطاع غزة. يصف الجندي كيف تحولت مناطق التجمع إلى “عوالم خاصة” لكل سرية، مزينة بأثاث ومعدات مسروقة من منازل الفلسطينيين. وامتدت الظاهرة إلى ميادين الرماية، حيث أكد الرقيب أن “كل منطقة رماية كانت مفروشة، حرفياً صالونات كاملة”، مما يشير إلى استهتار تام بالملكية الخاصة.
ظاهرة النهب في غزة: فوضى و”عالم خاص”
يشير الرقيب (أ) إلى أن حجم التجاوزات كان هائلاً، وأن حالة الإحباط التي واجهها قائد سريته لمنع عملية نهب كانت استثناءً وليس قاعدة. ويستذكر قائلاً: “قابلنا الكثير من جنود الاحتياط عند الحدود، لقد استولوا على كل شيء وقعت عليه أيديهم: أسلحة، مجوهرات، بطانيات، وحتى الصور الشخصية التي لا تعني أحداً سواهم”. تتجسد هذه الفوضى في حادثة روى تفاصيلها، حيث شاهد جندياً يحاول سحب أريكة من شاحنة عسكرية، مما أدى إلى شجار عنيف اضطرت وحدته للتدخل لوقفه.
تفاقم الوضع بشكل ملحوظ في الأسابيع الأولى من العمليات، وتحديداً في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، كما أفاد نقيب احتياط كان شاهداً على الأحداث في حي الرمال بمدينة غزة. في تلك الفترة، كانت المتاجر لا تزال ممتلئة والحياة المدنية نشطة نسبياً، مما سهل عمليات النهب. يذكر النقيب أن جنود الهندسة قاموا بإفراغ متاجر كاملة من البضائع، ونقلها إلى ملاجئهم، دون أي اعتراض من القادة. كما تم جمع “تذكارات” مثل الأوشحة الفلسطينية وقمصان الشرطة العسكرية، بل وتم نهب ثلاجة كاملة ونقلها خارج القطاع.
لكن النقيب يشير إلى أن هذه الظاهرة تراجعت مع استمرار القتال، ليس نتيجة لتشديد الأوامر، بل لأن قطاع غزة أصبح خالياً من أي موارد يمكن نهبها. وبرر الجنود في البداية تصرفاتهم بشعور “الدمار والبقاء”، معتبرين أنفسهم في رحلة لن تتكرر. ومع ذلك، فإن العودة المتكررة للقطاع كل بضعة أشهر أدت إلى تراجع “الحماس” للنهب لعدم وجود ما يمكن الاستيلاء عليه.
في محاولة لفهم منطق الجنود، أوضح النقيب أن الاعتقاد السائد كان: “إذا أخذنا شيئاً يجعلنا مقاتلين أفضل، فلا يعتبر ذلك نهباً”. وقدم مثالاً بأن أخذ السجائر كان بهدف منح المقاتلين الهدوء، وكذلك كان أخذ الطعام واستخدام الأسرّة أمراً مقبولاً، بينما كان أخذ المال هو الفعل الوحيد المرفوض بشكل قاطع.
يعتقد الرقيب (أ) أن المشكلة الحقيقية تكمن في “غياب الرقابة الشاملة”. ويشدد على أن الأمر “يعتمد فقط على مستوى قيم القائد الميداني، فعلى مستوى قائد السرية، لا يوجد نظام”. هذا الرأي يعكس فجوة بين الأوامر العليا والتطبيق الميداني، حيث يبدو أن القيادة العليا للقوات البرية لا تمتلك آليات فعالة لفرض الانضباط على هذه الممارسات.
النهب في لبنان: امتداد للظاهرة
مع تصاعد التوترات على الجبهة الشمالية، أفادت صحيفة “يديعوت أحرونوت” بأن ظاهرة النهب بدأت تتفاقم مجدداً في لبنان، حيث تقوم فرق احتياط بأنشطة على طول الحدود الشمالية. شهد قائد الفرقة 98، النقيب (احتياط)، حالات نهب قام بها جنود الجيش الإسرائيلي في لبنان، حيث استولوا على أجهزة كهربائية منزلية، وأدوات مطبخ، وسجاد من منازل السكان.
ذكر القائد أن القادة تحدثوا سابقاً عن هذه الظاهرة غير المقبولة وحظروها، لكن لم يكن هناك تطبيق فعلي للحظر. ويصف الفجوة بين التحذير والتنفيذ قائلاً: “أكد القادة مسبقاً أن هذا خطأ، حتى عندما رأى قائد اللواء أو قائد الكتيبة شخصاً ينهب، حذروه، لكنهم لم يطبقوا التحذير فعليا، واستمر الناس في فعل ما يحلو لهم”.
ويضيف النقيب أن الجنود أصبحوا معتادين على هذه الممارسات من غزة، وأن غياب السياسة الواضحة والمتابعة يجعل الوضع يتفاقم. ويرى أن حل هذه الظاهرة الخطيرة “بسيط” ويتمثل في “الرقابة الميدانية”. يقترح وضع جندي من الشرطة العسكرية عند نقاط العبور على السياج المحيط، للقيام بدوريات تفتيش منتظمة للتأكد من عدم قيام الجنود بالنهب.
تحذير الأركان والواقع الميداني
في محاولة لمعالجة الأمر، خاطب رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زمير، القيادة العليا محذراً من أن “ظاهرة النهب، إن وجدت، هي أمر شائن قد يلطخ سمعة الجيش بأكمله”. وأصدر أوامر صريحة لقادة الكتائب بتقديم تقارير مفصلة خلال أسبوع، مع توعده بإحالة أي دليل على النهب إلى الشرطة العسكرية للتحقيق الجنائي.
هذا الموقف الرسمي يتناقض بشكل صارخ مع شهادات الجنود من الميدان، التي تؤكد أن الأوامر العليا غالباً ما يتم تجاهلها. كما يتناقض الوعيد الجنائي مع “المنطق” الذي طوره الجنود لأنفسهم، حيث أصبحت ممارسات أخذ الممتلكات في غزة ولبنان تصنف كأدوات لتحسين الحالة النفسية للمقاتل، وليست جرائم سرقة ونهب.
في شهادة أخرى، روى رقيب احتياط من الفرقة 162، عاد لتوه من لبنان، واقعة لافتة. خلال مهمة رافقوا فيها قوة “ناحال” النظامية، شاهد الجنود يحملون صناديق مليئة بممتلكات لا علاقة لها بالعمل العسكري. ولكن نقطة التحول كانت في رد فعل قائد الفصيلة، الذي واجه الجنود قبل العودة، وأعلن بوضوح أنه سيتم إجراء تفتيش دقيق داخل الحقائب، وأن أي شخص يُضبط بأغراض لا تخصه سيفصل فوراً من الخدمة. هذه الحادثة الأخيرة قد تشير إلى بداية لتطبيق أكثر صرامة للأوامر، لكن فعالية هذه الإجراءات على المدى الطويل لا تزال غير مؤكدة.






