تشهد هولندا زيادة ملحوظة في تجنيد جنود الاحتياط، مدفوعة بالانضمام الأخير للملكة ونجلتها، مما دفع السلطات إلى تسريع عمليات التسليح والتدريب للمجندين الجدد. يأتي هذا الارتفاع الكبير في تقديم الطلبات في وقت تسعى فيه البلاد، كغيرها من الدول الأوروبية، إلى تعزيز قدراتها الدفاعية في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية.

تُعرف هذه الظاهرة في وزارة الدفاع الهولندية بـ “تأثير أماليا”، نسبة إلى الأميرة كاثارينا-أماليا، ولية العهد. وقد نشرت صور للملكة ماكسيما في فبراير وهي تجري تدريبات وتصوب مسدسًا في ميدان رماية، مما أحدث صدى عالميًا. هذا الدعم الملكي، بالإضافة إلى الحملات الإعلانية المكثفة، أدى إلى تدفق كبير على برامج التجنيد، لدرجة أن الجيش يعمل حاليًا بوتيرة مضاعفة لتلبية احتياجات التجهيز والتدريب والإيواء للمنضمين الجدد.

تحديات استيعاب “تجنيد جنود الاحتياط” في هولندا

قال سكرتير الدولة للدفاع، ديرك بوسفاييك، إن بلاده تواجه حاليًا “أكثر من عدد الطلبات التي يمكننا التعامل معها”. وأوضح أن “نقص القدرات التدريبية، ونقص المساكن، والحاجة لتوفير الزي الرسمي والأسلحة والتدريب، بالإضافة إلى تأمين المساحات اللازمة للتدريب، هي الصعوبات الحالية”. ووصفها بأنها “مشكلة رفاهية” لأنه يتم العمل بجدية لحلها.

يبلغ عدد جنود الاحتياط حاليًا حوالي 9,000 فرد في هولندا، وتهدف خطط الحكومة إلى مضاعفة هذا العدد ليصل إلى 20,000 بحلول عام 2030. يأتي ذلك ضمن استراتيجية أوسع لزيادة حجم القوات العسكرية الهولندية من 80,000 فرد حاليًا إلى 120,000 بحلول عام 2035، وهي خطة تحظى بدعم سياسي واسع.

تحديث الجيوش الأوروبية في ظل التوترات الجيوسياسية

يعكس هذا التوجه نحو تعزيز تجنيد جنود الاحتياط، التحركات الأوسع في أوروبا لزيادة وتحديث الجيوش، مدفوعة بالحرب الروسية الأوكرانية وتصريحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب حول مستقبل حلف الناتو. تدرك حتى المجندات في الوحدات الاحتياطية، مثل العسكرية المشاركة في تدريبات نهاية الأسبوع، أن أولويات الأمن قد تغيرت وأن البيئة العالمية أصبحت أكثر تقلبًا ولا يمكن التنبؤ بها.

“عندما انضممت لأول مرة، كان هناك شبه انعدام للخطر أو التهديد… والآن الأمور تتغير، لذا نحن أكثر وعيًا بذلك”، قالت إحدى العسكريات، مشيرة إلى تحول في الذهنية نحو “الأمور المتعلقة بالمشاة والقتال على الأرض”. وأضافت: “نحن هنا للدفاع عن بلدنا ولضمان خفض التهديد”.

تُظهر التدريبات العسكرية، حيث يخرج الجنود بصمت من الغابات وهم يحملون بنادقهم (Colt C7)، مدى جدية الاستعدادات لمواجهة التهديدات التي يعتبرها مسؤولو الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو حقيقية اليوم. في ظل الحرب الأوكرانية، وهي الأكثر دموية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، تهدف خطط الناتو الجديدة إلى مكافحة التهديدات المحتملة وتتطلب من الحلفاء تجهيز جيوشهم لمعارك كبرى، مع التركيز على القوات المتحركة التي يمكن نشرها بسرعة.

لم تلغِ هولندا نظام التجنيد الإلزامي بالكامل، لكن الاستدعاءات عُلقت منذ عام 1997 ولا توجد خطط فورية لإعادة تفعيلها. يلتزم جنود الاحتياط في هولندا بحوالي 300 ساعة خدمة سنويًا، بما في ذلك تدريبات دورية في عطلة نهاية الأسبوع. تقليديًا، يتم نشرهم لتأمين المواقع الداخلية وليس للمهام القتالية في الخارج، ولك يمكن الاستعانة بهم في حالات الطوارئ الوطنية، مثل بناء السدود الرملية في حالات الفيضانات الشديدة.

دول أخرى تعزز جهود التجنيد

في ألمانيا، يدرس المشرعون خطة حكومية لتقديم رواتب وشروط خدمة أفضل للمتطوعين على المدى القصير، بالإضافة إلى تحسين التدريب ومرونة مدة الخدمة. يهدف ذلك إلى جذب عدد كافٍ من المجندين دون إحياء نظام التجنيد الإلزامي الذي عُلق للرجال في عام 2011، مع ترك الباب مفتوحًا أمام التجنيد الإلزامي المحدود إذا لم يتطوع عدد كافٍ من الأفراد.

على غرار هولندا، تعتمد فرنسا بشكل كبير على الخدمة التطوعية لتعزيز قواتها المسلحة. سيبدأ برنامج في سبتمبر يهدف إلى تجنيد 3,000 متطوع تتراوح أعمارهم بين 18 و 25 عامًا. سيخدم هؤلاء المتطوعون لمدة 10 أشهر في مناطق البر الرئيسي الفرنسي وفي الأقاليم الخارجية. وتسعى فرنسا إلى استقطاب ما يصل إلى 50,000 متطوع سنويًا بحلول عام 2035.

في شمال وشرق أوروبا، حيث يُنظر إلى التهديد الروسي بشكل أكثر حدة، لا تزال بعض الدول تحتفظ بنظام التجنيد الإلزامي. فنلندا تطبق نظام التجنيد الإلزامي على جميع الذكور ونظام تطوعي للإناث. أما السويد، فقد أعادت تفعيل خدمة عسكرية جزئية محايدة جندريًا في عام 2017، وفي حال عدم كفاية المتطوعين، يتم إجراء سحب قرعة لاختيار المجندين. تمتلك الدنمارك نظامًا مشابهًا، وكذلك لاتفيا التي أعادت تفعيل نظام التجنيد الإلزامي في عام 2023 ردًا على الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا.

تستمر الدول الأوروبية في استكشاف خياراتها لتعزيز القدرات الدفاعية، ومن المتوقع أن تتابع هولندا عن كثب مدى نجاح استراتيجيتها في استيعاب الزيادة الكبيرة في عدد جنود الاحتياط، والضغوط التي قد تنشأ على الموارد المتاحة. يبقى السؤال حول مدى استمرارية هذا الزخم في التجنيد وتأثيره على القدرات الدفاعية طويلة الأجل للدول المعنية.

شاركها.