إيران تتوسع في جهود التجسس على إسرائيل: اعتقالات تكشف عن شبكة تجنيد معقدة
كشفت الاعتقالات الأخيرة لعدد من الأفراد، بمن فيهم أفراد من سلاح الجو الإسرائيلي، عن تعميق وتوسع جهود إيران للتسلل إلى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية عبر تجنيد عملاء من الداخل. يأتي هذا التصعيد في ظل تقارير تشير إلى استثمار طهران موارد متزايدة في عمليات استخباراتية تهدف إلى جمع معلومات حساسة وربما زعزعة استقرار الأمن في المنطقة.
على مدار العام ونصف العام الماضيين، حققت الشرطة الإسرائيلية، بالتعاون مع جهاز الأمن العام (الشاباك)، في أكثر من 20 قضية تتعلق بحوالي 40 إلى 50 مشتبهًا بهم. وتشير التحقيقات إلى أن معظم هؤلاء لا يزالون قيد الاحتجاز، بينما يعتقد المحققون أن هناك المزيد من المشتبه بهم الذين لم يتم القبض عليهم بعد. تركز طهران بشكل أساسي على جمع معلومات يمكن أن تساعد في تخطيط هجمات، بالإضافة إلى بيانات عن شخصيات بارزة وأهداف حساسة أخرى.
شبكة تجنيد إيرانية متنامية
تنوعت طرق التجنيد التي تستخدمها طهران، لتشمل استهداف الأفراد عبر منصات التواصل الاجتماعي، بما في ذلك مجموعات البحث عن عمل حر على فيسبوك وواتساب، وحتى مواقع إباحية، حيث يُزعم أن العملاء يستخدمون مواد قد تشكل ابتزازًا للإكراه على التعاون. كما تعتمد إيران على التلاعب العاطفي للأفراد الذين قد تتأثر أحكامهم الأخلاقية.
وفقًا للمقدم سيفي بيرغر من وحدة الجرائم الدولية والكبرى في شرطة إسرائيل، فإن الدوافع المالية تلعب دورًا، لكن المبالغ المدفوعة تتفاوت بشكل كبير. فقد أشارت تقارير إلى أن إحدى الشبكات المكونة من سبعة مشتبه بهم تلقت حوالي 300 ألف دولار، بينما تم دفع 1000 دولار فقط لأحد جنود الاحتياط في منظومة القبة الحديدية، وفي بعض الحالات كانت المبالغ أقل. ويوضح بيرغر أن “الناس قد يعتقدون أنهم سيصبحون أثرياء، لكن الأموال ليست محولة للحياة”.
“عند تجنيد شخص، يمكن أن تتطور علاقة بين المسؤول عن العميل والجاسوس. أحيانًا يبحث المتعاون عن شخصية أب أو صديق – شخص يستمع دون حكم”، هذا ما قاله بيرغر، مشيرًا إلى البعد النفسي في استراتيجيات التجنيد الإيرانية. ويدعم هذا الرأي الخبير الأمني والموظف السابق في الشاباك، غونين بن يتسحاق، الذي قضى سنوات في تجنيد مصادر. يقول بن يتسحاق إن المشكلة تعد خطيرة بشكل خاص، ولم يسبق له أن رأى مثل هذا العدد من المحاولات، وبعضها ناجح، للتجسس ضد إسرائيل.
يستخدم الإيرانيون وسائل التواصل الاجتماعي كأداة قوية لتحديد الدوافع المحتملة، وهو أمر لم يكن متاحًا بنفس القدر في الماضي. عملية التجنيد، بحسب بن يتسحاق، قد تستغرق وقتًا وتتطلب بناء الثقة من خلال لقاءات سرية وطرح أسئلة بسيطة في البداية. قد يرفض البعض التعاون، أو حتى يعملون كعملاء مزدوجين. في كثير من الحالات، يتم تدريبهم على جمع المعلومات دون أن يتم الكشف عنهم، وهي عملية تتسم بالتدريج وعدم اليقين.
قضايا بارزة واعتقالات حديثة
في تطور حديث، تم تقديم لوائح اتهام ضد مدني إسرائيلي وثلاثة جنود اعتقلوا في مارس الماضي للاشتباه في عملهم لصالح المخابرات الإيرانية وتنفيذ مهام متعلقة بالأمن بتوجيه منها قبل انضمامهم إلى الجيش. تضمنت العمليات المزعومة توثيق وإرسال صور ومقاطع فيديو لمواقع مختلفة، بالإضافة إلى أوامر بشراء أسلحة ونقل وثائق من مدرسة سلاح الجو التقنية.
في مارس، تم اعتقال أمي غايداروف، البالغ 22 عامًا، للاشتباه في تصنيعه للمتفجرات بهدف استهداف شخصية إسرائيلية بارزة بتوجيه من عميل إيراني. وفي الشهر الماضي، تم احتجاز رجل من مدينة قلنسوة العربية في إسرائيل للاشتباه في تجسسه لصالح “جهة معادية، تم التواصل معها عبر قناة الجزيرة”. وفقًا للتحقيق، قام مقداد مضاد حسني ناتور بالتواصل مع جهة الاتصال الخاصة به بعد تقديمه له أثناء بحثه عن فرص عمل عبر المؤسسة الإعلامية القطرية.
العقوبات والتحذيرات
بموجب القانون الإسرائيلي، يعاقب التواصل مع عميل أجنبي بالسجن لمدة تصل إلى 15 عامًا. وتوفير المعلومات الاستخباراتية يمكن أن يؤدي إلى السجن لأكثر من 10 سنوات، بينما تصل عقوبة مساعدة العدو خلال الحرب إلى السجن مدى الحياة، وفي حالات قصوى، عقوبة الإعدام.
يحذر المقدم بيرغر من محاولات الإسرائيليين لخداع الوكلاء الأجانب، مؤكدًا أن أي اتصال يعد جريمة خطيرة. وقد تحدثت قضية عامل فندق بالقرب من البحر الميت، الذي أخبر الإيرانيين كذبًا أن مجموعة من الإسرائيليين ستصل، مما وضعت الفندق وموظفيه وضيوفه في خطر. “يجب على الأشخاص غير المطلعين على هذا العالم عدم الانخراط فيه. الاتصال جريمة، وتوفير المعلومات جريمة، ومساعدة العدو هي الأشد خطورة”، كما نصح بيرغر.
نظرة مستقبلية
في حين أن معظم المشتبه بهم لا يزالون رهن الاحتجاز في انتظار المحاكمة، فإن بعض القضايا تتقدم في المحاكم. وقد انتهت قضية موتي مامان (70 عامًا)، الذي أدين وحكم عليه بالسجن 10 سنوات بعد دخوله إيران مرتين للقاء عملاء استخباراتيين لمناقشة تنفيذ أنشطة إرهابية في إسرائيل، بما في ذلك احتمالية اغتيال رئيس الوزراء. يرى الخبير الأمني غاد شيمرون، الذي كان يعمل سابقًا في الموساد، أن جهود التجسس تسببت في ضرر تكتيكي أكثر منه استراتيجي، لكنه يحذر من التساهل. “القبة الحديدية الإلكترونية تحاول القبض على الإسرائيليين المستعدين للعمل لصالح الإيرانيين، وأعتقد أنها فعالة للغاية. لكن لا ينبغي الاستهانة بالعدو أبدًا. أنا متأكد من أنهم يستثمرون الكثير من الجهد ولديهم بعض النجاحات التي لا نعرفها بعد.”
ستستمر المحاكم الإسرائيلية في معالجة القضايا المفتوحة، بينما تواصل أجهزة الأمن التحقيق في أي نشاط مشبوه. سيكون من المهم متابعة التقارير المستقبلية لمعرفة ما إذا كانت هناك جهود تجسس إضافية سيتم الكشف عنها، ومدى استمرار هذه الاستراتيجية الإيرانية في التوسع.






