يواجه حلف شمال الأطلسي (الناتو) تحديات متزايدة تتعلق بالاعتماد الكبير على القوة العسكرية الأمريكية، حتى مع زيادة الإنفاق الدفاعي للحلف. ومع تصاعد الضغوط من قبل الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب على الحلفاء لزيادة الإنفاق الدفاعي، وسحب القوات الأمريكية من ألمانيا، فإن مسألة التوازن داخل الحلف أصبحت أكثر وضوحًا.
يشير الخبراء إلى أن الاعتماد على الولايات المتحدة في القدرات العسكرية الأساسية، خاصة في مجالات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع والدعم اللوجستي، يشكل نقطة ضعف محتملة. ومع تفاقم التوترات الجيوسياسية، يبرز تساؤل حول قدرة الناتو على سد الفجوات إذا ما واجهت الولايات المتحدة تحديات أخرى عالميًا.
الاعتماد الأمريكي: حجر الزاوية أم نقطة الضعف في الناتو؟
تاريخيًا، شكلت الولايات المتحدة دائمًا العمود الفقري المالي والعسكري لحلف الناتو. ففي حوالي عام 2010، كانت الولايات المتحدة وحدها مسؤولة عن حوالي 65% إلى 70% من إجمالي الإنفاق الدفاعي للحلف، وفقًا لتحليلات مركز هنري جاكسون. هذا الاستثمار الضخم يمنح الولايات المتحدة نفوذًا وقدرة لا مثيل لهما ضمن التحالف.
بينما يجادل البعض بأن هذا الاعتماد هو جزء لا يتجزأ من تصميم الحلف، والذي يهدف إلى تجميع الموارد وقوة الدول الأعضاء، يشير آخرون إلى أنه قد تطور إلى تبعية مفرطة. أدت أولويات الولايات المتحدة في العقود الماضية، مثل التركيز على حروب في أفغانستان والعراق، إلى دفع الحلفاء الأوروبيين إلى التركيز على مهام تتجاوز الدفاع الإقليمي التقليدي.
ويوضح هذا التفاوت بشكل صارخ في قدرات الردع النووي، حيث توفر الولايات المتحدة الغالبية العظمى من الترسانة النووية للناتو. وهذا يعني أن الردع يعتمد بشكل أساسي على افتراض الانتقام الأمريكي. ومع ذلك، هناك إقرار متزايد داخل الحلف بضرورة تحسين التوازن. تشير بيانات حديثة إلى أن الحلفاء الأوروبيين بدأوا في زيادة استثماراتهم الدفاعية، خاصة بعد عام 2022، لتعزيز قدراتهم.
الأنظمة التي لا يمكن للناتو استبدالها بسهولة
يذهب الاعتماد الأمريكي إلى ما وراء القدرات النووية، ليشمل ما يمكن اعتباره العمود الفقري التشغيلي للحلف. فالاستخبارات والمراقبة والاستطلاع (ISR) التي توفرها الولايات المتحدة، بالإضافة إلى أنظمة القيادة والتحكم والدعم اللوجستي، لا غنى عنها لفعالية عمليات الناتو. فبدون هذه القدرات، قد يفقد الحلف وعيه بالوضع المبكر وقدرته على الاستجابة السريعة.
يشير الخبراء إلى أن العديد من المعدات العسكرية الأوروبية لا ترقى إلى مستوى الأنظمة المتطورة. وفي مجالات مثل الدفاع الجوي والصاروخي، يعتمد الحلفاء بشكل كبير على أنظمة أمريكية الصنع مثل باتريوت وثاد، وليس لديهم أنظمة مماثلة قادرة على توفير نفس مستوى الحماية. يعزى هذا إلى سنوات من ضعف الاستثمار في الصناعات الدفاعية الأوروبية، والتي تدهورت في بعض الأحيان.
ومع ذلك، فإن الصورة ليست سوداء بالكامل. فمنذ عام 2014، وبعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، شهد الإنفاق الدفاعي للحلفاء زيادة ملحوظة، وتسارعت الوتيرة بعد عام 2022. تشمل المبادرات الجديدة زيادة في قدرات الدفاع الجوي والصاروخي، وتعزيز القوات البرية، وزيادة مخزونات الذخيرة، وتحسين القدرات اللوجستية والطبية.
وقد أعلنت دول أوروبية عن مشتريات لأنظمة دفاعية أمريكية متطورة، مثل طائرات F-35 المقاتلة، مما يشير إلى اتجاه نحو تعزيز القدرات. ولكن، يشدد المسؤولون على أن بناء القدرات الفعالة يتطلب وقتًا وجهدًا مستمرين، وأن العديد من هذه التحسينات ستظل قيد التنفيذ لسنوات قادمة.
ماذا يحدث إذا ضعفت القدرة الأمريكية؟
السيناريو الأكثر إثارة للقلق، بحسب بعض الخبراء، هو ما سيحدث إذا ما اضطرت الولايات المتحدة إلى تركيز مواردها العسكرية في مناطق أخرى من العالم، مما يحد من قدرتها على دعم الناتو. في مثل هذه الحالة، قد يواجه الحلف ضغوطًا شديدة، خاصة في مجالات الاستخبارات واللوجستيات، مما قد يؤخر قدرته على الاستجابة للأزمات.
بالنسبة للبعض، فإن الخطر يكمن في التأخير وعدم القدرة على الاستجابة الفورية. حتى مع زيادة الإنفاق الدفاعي، فإن بناء قدرات متطورة ومعقدة يستغرق وقتًا. ما يعنيه ذلك هو أن الناتو، كتحالف، يعتمد بشكل كبير على التزام الولايات المتحدة ويواجه تحديًا في السرعة التي يمكنه بها التكيف مع التهديدات المتطورة.
في الوقت الحالي، توضح الجهود الأخيرة للحلفاء، مثل تركيزهم على قدرات الدفاع الجوي والصاروخي والمدرعات، أنهم يتخذون خطوات لملء الفجوات. لكن السؤال الذي يظل مطروحًا هو ما إذا كانت هذه الجهود كافية وسريعة بما يكفي لمواجهة التحديات الجيوسياسية المتزايدة، خاصة وأن الحلف يخطط لتحديد أهداف جديدة لقدرات الدفاع في يونيو 2025، مع التركيز على زيادة إمدادات الذخيرة للطائرات والسفن والجنود.






