تشهد مالي حالة من عدم اليقين المتزايد وسط مواجهات عنيفة بين الحكومة وجماعات مسلحة، مما أثار مخاوف من دعم إقليمي وغربي محتمل للإطاحة بالجنرال أسيمي غويتا، الذي وصل إلى السلطة عبر انقلاب عسكري في عام 2020 وبدأ تحالفاً مع روسيا. تأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه التوترات السياسية والأمنية في البلاد.

وفي تطور لافت، أعلنت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”، الموالية لتنظيم القاعدة، فرض حصار على العاصمة باماكو وإغلاق الطرق الرئيسية المؤدية إليها. كما أشارت “جبهة تحرير أزواد”، المتحالفة معها، إلى انسحاب القوات الحكومية من قاعدة عسكرية رئيسية في شمال البلاد بالقرب من الحدود الجزائرية. تأتي هذه الأحداث بعد أيام من هجمات واسعة شنتها الجماعتان، مما أدى إلى سيطرتهما على عدة مناطق، بما في ذلك مدينة كيدال الاستراتيجية، التي كانت تستضيف قوات روسية.

تصعيد متواصل وتغييرات في التحالفات

يرى الباحث في شؤون منطقة الساحل، أحمد ولد محمد المصطفى، أن هذا التصعيد ليس مفاجئاً، مشيراً إلى أن المنطقة تشهد تبادلاً في العنف منذ عام، وأن المشهد كان يشير إلى سعي كل طرف لتوسيع تحالفاته على كافة المستويات. وأضاف ولد المصطفى أن الحصار المفروض على العاصمة ليس بجديد، حيث سبق للمجموعات المسلحة أن فرضت حصاراً مماثلاً في نهاية العام الماضي، مما تسبب في أزمة محروقات وتعليق الدراسة.

ويعتبر ولد المصطفى أن الهجمات التي استهدفت مناطق حيوية في باماكو، بما في ذلك القصر الرئاسي والمطار وقاعدة كاتيا، كانت ذروة المواجهة وليست بدايتها. وتتفق آراء الخبير في شؤون الساحل وغرب أفريقيا، أوفيغوي أوغويغو، مع هذا التحليل، لكنه يشدد على أن الهجوم كان منسقاً ومدعوماً من دول أخرى، وهو ما تدل عليه الأهداف الهامة التي تم استهدافها في الشمال ووسط البلاد.

وقد أعلنت الحكومة المالية الحصول على أدلة تدعم مزاعم تلقي الجماعات المسلحة دعماً خارجياً، دون الكشف عن طبيعة هذه الأدلة، وفقاً لأوفيغوي. وعلى الرغم من فشل الهجوم في إسقاط النظام، إلا أنه سلط الضوء على التحديات الأمنية المتزايدة.

مالي في قلب الصراعات الدولية

يشير أوغويغو إلى أن هذه المواجهات تعد جزءاً من “الحرب الباردة” الدائرة بين روسيا وفرنسا في عدد من دول الساحل، خاصة تلك التي طردت الوجود الفرنسي وتحالفت مع روسيا. ويرى أن الجماعات التي تسعى للإطاحة بغويتا هي جماعات انفصالية أو إرهابية، تفتقر إلى قيادة موحدة قادرة على تمثيل الشعب المالي. وأكد أن اختيار مالي لروسيا كشريك عسكري قد لا يكون دائماً ناجحاً، لكنه دليل على تقدم أُحرز في بناء علاقات جديدة.

في المقابل، ينفي الباحث جاك رولان تورط فرنسا في هذه التطورات، مرجعاً إياها إلى فشل غويتا في إدارة البلاد ودخوله في صراعات مع دول الجوار. ويرى رولان أن الهجوم الحالي جاء نتيجة اتفاق بين مجموعتين مسلحتين تعاديان الحكومة، واستفادتا من الوضع العام. كما أشار إلى أن “الجهاديين يحظون بدعم شعبي بسبب نجاحهم في أمور فشلت فيها الحكومة”.

ومع ذلك، يرى ولد المصطفى أن الأسباب الداخلية والإقليمية والدولية ساهمت في بناء الثقة بين الجماعتين المسلحتين، مستفيدة من التطورات في دول أخرى مثل سوريا. ويضيف إلى ذلك فشل غويتا في إدارة البلاد، وحله للأحزاب السياسية، ومعاداته لجيران مالي. ويعتقد ولد المصطفى أن دخول غويتا في الصراع الكبير بين روسيا وحلف شمال الأطلسي (الناتو) يجعله هدفاً، وأن فرنسا هي المستفيد الأول من إسقاط النظام الحالي، خاصة مع محاولاتها لتدارك فقدان نفوذها في الساحل.

سيناريوهات مستقبلية غير يقينية

في الوقت الحالي، يواجه النظام في مالي واحداً من ثلاثة سيناريوهات محتملة، وفقاً لوجهات النظر المتباينة. السيناريو الأول هو انتصار النظام الحاكم، والذي قد يؤدي إلى انتقام شديد من جميع المتورطين، بما في ذلك دول الجوار. السيناريو الثاني، وهو الأبعد احتمالاً، هو عودة النظام المدني إلى البلاد.

أما السيناريو الأقرب، فهو حدوث انقلاب جديد على غويتا، وتحميله مسؤولية تدهور الأوضاع. ومع ذلك، يعتبر هذا الحل مؤقتاً ولن يعالج الأسباب الجذرية للأزمة. يبقى مستقبل مالي غامضاً، وتتطلب الأوضاع المتابعة الدقيقة لتطورات المشهد السياسي والأمني في البلاد.

شاركها.