تتسارع وتيرة سياسة “الأرض المحروقة” في جنوب لبنان مع اتساع أوامر الإخلاء الإسرائيلية لتشمل أكثر من 110 قرى، متجاوزة في بعضها شمال نهر الليطاني. يطرح هذا المشهد الميداني المأزوم تساؤلات استراتيجية حول نوايا إسرائيل، فهل تكتفي بـ”ترتيبات أمنية”، أم أنها تمهد لفرض واقع جيوسياسي جديد يقتلع الإنسان ويقضم الأرض؟

ويؤكد الخبير في الشؤون الإسرائيلية رائد نعيرات أن إسرائيل، بنيوياً وتاريخياً، لا تراجع في استراتيجيتها إلا بوجود محددات قاهرة. وفي ظل عجز رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن تقديم “النصر المطلق” الذي وعد به، بات البديل الذي يقدمه لليمين المتطرف والمجتمع الإسرائيلي هو السيطرة على الأرض، كما جاء في حديث نعيرات للجزيرة. ويؤكد نعيرات أن حجم الدمار الممنهج وهدم مئات البيوت، بالتوازي مع طروحات أكاديمية واستيطانية تنادي بالاستيطان في “مناطق الأرز”، يكشف عن نية مخبأة للسيطرة الدائمة، رغم شعور المؤسسة الإسرائيلية بصعوبة تحقيق ذلك ميدانياً حتى الآن.

بديل “النصر المطلق”

في سابقة غير مسبوقة، تتسع نطاق عمليات الإخلاء الإسرائيلية في جنوب لبنان، لتشمل أكثر من 110 قرى، وتتجاوز في بعض الحالات حدود نهر الليطاني. هذا التصعيد الميداني يثير تساؤلات جوهرية حول الأهداف الإسرائيلية المعلنة وغير المعلنة، وما إذا كانت تهدف إلى مجرد ترتيبات أمنية محدودة أو إلى فرض تغييرات جيوسياسية دائمة على الأرض. يشير الخبير في الشؤون الإسرائيلية، رائد نعيرات، إلى أن إسرائيل تاريخياً لا تتراجع عن استراتيجياتها إلا تحت ضغوط قاهرة. وفي ظل عدم تحقيق “النصر المطلق” الذي وعد به رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، يبدو أن إسرائيل تتجه نحو بديل يتمثل في السيطرة الفعلية على الأراضي.

وفقًا لنعيرات، فإن حجم الدمار الممنهج وهدم البيوت، بالإضافة إلى الأفكار المطروحة بشأن الاستيطان في مناطق تعتبرها إسرائيل “مناطق الأرز”، تشير إلى وجود نوايا للسيطرة الدائمة. ومع ذلك، تعترف المؤسسة الإسرائيلية بصعوبة تحقيق هذه الأهداف على أرض الواقع في الوقت الحالي.

“الجنوبات الثلاث” والتوسع الإسرائيلي

من جانبه، يضع مدير مكتب الجزيرة في فلسطين، وليد العمري، هذه التحركات ضمن سياق مشروع توسعي أكبر قد يتجاوز الحدود اللبنانية. يرى العمري أن عمليات الإخلاء الواسعة ليست مجرد إجراءات أمنية مؤقتة، بل هي جزء من مخطط أوسع يطلق عليه “الجنوبات الثلاث”، ويشمل قطاع غزة، وجنوب لبنان، وجنوب سوريا. ووفقًا لهذا التحليل، تسعى إسرائيل إلى تكرار النموذج الذي اتبعته في قطاع غزة في جنوب لبنان، وصولًا إلى نهر الليطاني. هذا الطموح، بحسب العمري، يتوافق مع رؤية لنتنياهو تهدف إلى بناء قوة إقليمية مستقلة ماليًا وعسكريًا عن واشنطن، مما يضمن بقاء هذه المناطق الحدودية تحت السيطرة الإسرائيلية حتى بعد انتهاء النزاع.

قصف إسرائيلي متواصل على قرى الجنوب اللبناني (الأوروبية)

المأزق اللبناني وسبل الخروج

في المقابل، يتوزع الموقف اللبناني بين الاعتماد على “دبلوماسية الدولة” التي تراهن على الضغط الأمريكي، و”فعل المقاومة” الذي يعتمد على القدرة الميدانية. يوضح الكاتب والمحلل السياسي طارق ترشيشي أن التدمير الممنهج في “الحافة الأمامية” يهدف إما إلى السيطرة الكاملة ومنع عودة النازحين، أو إلى فرض واقع يتطلب سنوات طويلة لإعادة الإعمار، تحت ترتيبات أمنية وشروط سياسية قد تصل إلى حد المطالبة باتفاق سلام أو تطبيع. وتصطدم هذه الرغبة الإسرائيلية بعقلية تفاوضية متعنتة، فكما يشير نعيرات، تسعى إسرائيل إلى “تطبيع بلا ثمن”، وتطالب بنزع سلاح حزب الله دون تقديم أي خطوة تكتيكية مثل وقف إطلاق النار.

في ضوء هذه التطورات، يبدو المشهد اللبناني أمام مفترق طرق حاسم. فبينما يتمسك لبنان الرسمي بمبدأ “لا مفاوضات قبل وقف إطلاق النار”، تواصل الآلة العسكرية الإسرائيلية قضم القرى الحدودية. ويبدو أن هذا النهج يهدف إلى فرض “إمبراطورية الحدود” التي تستخدم سياسة الأرض المحروقة كضمانة أمنية، مع بقاء الاستيطان كطموح مؤجل. ورغم سريان وقف لإطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله منذ 17 أبريل/نيسان الماضي، والذي تم تمديده بعد مباحثات مباشرة جمعت سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن، يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ هجمات، خصوصًا على جنوب لبنان، مما يسفر عن سقوط قتلى وجرحى. تتبادل إسرائيل وحزب الله الاتهامات بخرق اتفاق وقف إطلاق النار، في وقت يعلن فيه الحزب تنفيذ عمليات تستهدف القوات الإسرائيلية أو إطلاق صواريخ ومسيرات نحو الأراضي المحتلة. ويتوقف مستقبل هذه المنطقة على قدرة الأطراف المعنية على إيجاد حل دبلوماسي يوازن بين المطالب الأمنية اللبنانية والإسرائيلية.

شاركها.