وصل قادة العالم إلى يريفان، أرمينيا، يوم الأحد استعداداً للاجتماع الثامن لمجموعة السياسة الأوروبية، تحت شعار “بناء المستقبل: الوحدة والاستقرار في أوروبا”. يهدف هذا الاجتماع رفيع المستوى، الذي يضم ما يقرب من 50 دولة، إلى مناقشة القضايا السياسية الهامة بشكل مباشر في وقت تشهد فيه الساحة الدولية تحولات جيوسياسية عميقة. ومن بين أبرز المشاركين الذين وصلوا صباح الأحد رئيس وزراء بريطانيا كير ستارمر، والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس وزراء بولندا دونالد تاسك. سيترأس الاجتماع رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان.
يشكل الاجتماع فرصة للقادة لتعزيز الحوار السياسي وتبادل وجهات النظر حول التحديات التي تواجه القارة الأوروبية، مع التركيز على بناء شراكات قوية تضمن الاستقرار والازدهار. ومن المتوقع أن يحظى اللقاء بمتابعة واسعة نظراً لأهمية القضايا المطروحة، بما في ذلك التوترات المتزايدة بين الولايات المتحدة وإيران.
السياسة الأوروبية: حوارات استراتيجية وصراعات متزايدة
تعد مجموعة السياسة الأوروبية (EPC) منتدى حكومياً دولياً تم تأسيسه في عام 2022، بعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، بهدف تعزيز الحوار السياسي والاستراتيجي حول مستقبل القارة. ومع تزايد الاضطرابات الجيوسياسية، أصبحت هذه المجموعة منصة حيوية للقادة الأوروبيين وغير الأوروبيين لمناقشة القضايا الملحة.
وشهدت القارة الأوروبية وصول شخصيات بارزة مثل رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، التي أكدت على أهمية تعزيز الوحدة الأوروبية في مواجهة التحديات العالمية. كما يتصدر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي جدول الأعمال، حيث من المتوقع أن يجري مناقشات جانبية مع العديد من الدول حول سبل دعم بلاده في ظل الصراع المستمر.
ويشارك في الاجتماع للمرة الأولى رئيس وزراء كندا مارك كارني، وذلك بدعوة رسمية كضيف، مما يمثل سابقة مهمة في تاريخ المجموعة. وقد وصف كوستا هذه المشاركة بأنها “أكثر من مجرد شراكة بين دول ذات تفكير متشابه”، مؤكداً على بناء “تحالف عالمي للدفاع عن السلام والازدهار المشترك والتعددية”.
في هذا السياق، أشار كارني في المنتدى الاقتصادي العالمي إلى وجود “شرخ” في النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة، مما يستدعي من القوى الوسطى رسم مسار جديد وتوحيد الجهود للدفاع عن القيم الدولية الأساسية. وتأتي هذه الدعوة في ظل تقارب متزايد بين أوروبا وكندا، خاصة مع تغير العلاقات مع الولايات المتحدة، مما يعزز الحاجة إلى تآزر استراتيجي.
أرمينيا: تطلعات نحو أوروبا وتعزيز الروابط
تسعى أرمينيا، الدولة التي تقع بين أوروبا وآسيا، إلى تعزيز علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي وتمتين روابطها السياسية والاقتصادية مع القارة. ويأتي استضافة يريفان للاجتماع الثامن لمجموعة السياسة الأوروبية كفرصة رئيسية لتقريب أرمينيا من الحضن الأوروبي، خاصة في ظل سعيها لتقليل الاعتماد على روسيا.
يُعقد هذا الاجتماع في أعقاب اتفاقية السلام التاريخية بين أرمينيا وأذربيجان، مما يعكس انفتاحاً متزايداً من كلا البلدين على الساحة الأوروبية. وتعتبر هذه القمة، التي تعد الأولى من نوعها بين الاتحاد الأوروبي وأرمينيا، بمثابة رسالة قوية من أرمينيا إلى الاتحاد الأوروبي مفادها “نحن هنا، ونحن مستعدون”، بحسب ما ذكرت محللة قضايا الأمن في جنوب القوقاز، أليسيا فارتانيان.
في ظل قيادة رئيس الوزراء نيكول باشينيان، تتبع أرمينيا استراتيجية “التنويع” التي تسعى من خلالها إلى بناء علاقات متوازنة مع روسيا والغرب. ويرى الأكاديمي السياسي ألكسندر إسكندريان أن هذه الاستراتيجية هي في الواقع محاولة لترسيخ علاقات أرمينيا مع الاتحاد الأوروبي. وقد وقعت الدولة، التي يبلغ عدد سكانها ثلاثة ملايين نسمة، اتفاقية شراكة شاملة مع الاتحاد الأوروبي في عام 2017، مما عمق تعاونها في مجالات التجارة وغيرها.
وفي إشارة واضحة إلى التقارب، اعتمدت أرمينيا قانوناً في العام الماضي يعبر رسمياً عن نيتها التقدم بطلب للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وقد عبرت مفوضة توسيع الاتحاد الأوروبي، مارتا كوس، خلال زيارتها لأرمينيا في مارس، عن أن “أرمينيا والاتحاد الأوروبي لم يكونا أقرب من أي وقت مضى”.
من المتوقع أن يشهد الاجتماع مناقشات مكثفة حول سبل تعزيز التعاون الأمني والاقتصادي، بالإضافة إلى بحث القضايا الإقليمية والتحديات التي تواجه أوروبا. وستترقب الأوساط السياسية عن كثب ما ستسفر عنه هذه المحادثات، خاصة فيما يتعلق بمستقبل العلاقات بين أرمينيا والاتحاد الأوروبي، والدور الذي يمكن أن تلعبه مجموعة السياسة الأوروبية في تشكيل مستقبل القارة.






