مقهى دار الباشا في مراكش العتيقة يعيد تعريف تجربة القهوة
أعيد افتتاح مقهى دار الباشا داخل قصر تاريخي في مراكش العتيقة بعد أعمال ترميم نفذت عقب زلزال الحوز في 2023، ويستقطب اليوم طوابير طويلة من الزوار الباحثين عن تجربة قهوة تجمع بين التراث والحداثة. بحسب القائمين، يقدم المقهى طقوس تقديم مُنسقة وخلطات وحبوب مستوردة من عشرات البلدان، ما جعل المكان مقصداً سياحياً وثقافياً جديداً.
قصر دار الباشا: من إرث تاريخي إلى متحف ومقهى
بُني قصر دار الباشا عام 1910 بأمر من التهامي الكلاوي، وحوّل لاحقاً إلى متحف باسم “متحف الروافد” قبل أن يتضرر جزئياً في 2023. أعاد فريق الترميم فتح فضاءاته التي تحوي صالات عرض وفناءً تقليدياً يحيط به نخيل ونافورة، ويضم الآن مقهى دار الباشا الذي احتفظ بعناصر من الطراز المعماري المغربي الأصيل.
المسؤولون عن المؤسسة الوطنية للمتاحف وصفوا القصر بأنه “جوهرة للمعمار والحِرف المغربية” بعد عمليات الترميم، وأشاروا إلى أن اندماج المتحف والمقهى يعزز جاذبية الموقع سياحياً ويقدّم نموذجاً لتفعيل المباني التاريخية بصورة تجذب الزوار المحليين والأجانب على حد سواء.
متجر الحبوب وخرائط النكهات
يتضمن المقهى متجراً لبيع حبوب البنّ مصمماً كخريطة مصغرة لعالم القهوة، حيث تصطف آلاف الأدراج الخشبية وعليها علب تحمل أسماء دول منتجة للحبوب. بحسب إدارة المكان، تُستورد الحبوب من نحو 35 دولة وتُصنّف إلى فئات تشمل القهوة أحادية المصدر والخلطات والنكهات والقهوة المنزوعة الكافيين طبيعياً.
تشير تقارير صحفية إلى حدّ أدنى للشراء يبلغ 200 غرام، ويتراوح سعر الأنواع النادرة مثل قهوة غيشا بحسب ندرة الدفعة وجودتها، فيما تُطحن الحبوب أمام الزبائن وتُعبّأ يدوياً في أكياس ورقية تحمل علامة المقهى.
طقوس التقديم: إبريق مذهّب وندُل بالطربوش
تقام في المقهى طقوس تقديم تضيف بعداً فنياً لتجربة احتساء القهوة؛ إذ تُقدّم الإبريق الطويل العنق المذهب على طاولة داخل “الدويرية” التقليدية ويقدمه نُدُل يرتدون الطربوش والبدلات البيضاء. هذا الطقس، بحسب رئيس مجلس إدارة العلامة طه بوقديب، هدفه تحويل شرب القهوة إلى تجربة حسّية متكاملة تعكس الحرفية والتقاليد.
يبدأ سعر الإبريق من نحو خمسة دولارات ويكفي لملء أكثر من فنجان، ويُرافقه عادة كريمة طازجة وعصا سكر خام وحبات فانيليا، بالإضافة إلى تشكيلة من الحلويات المغربية التي تشجّع الزوار على إطالة الجلسة داخل الفناء الأثري.
لماذا يقف الزبائن لساعات أمام المقهى؟
تشير ملاحظات الزوار وإدارة المقهى إلى أن سبب الطوابير يعود إلى مزيج من عوامل: الرغبة في مشاهدة الهندسة المعمارية للقصر، وتجربة طقوس التقديم الفريدة، وتوفر حبوب نادرة يصعب العثور عليها في أماكن أخرى. زائر إسباني وصف الانتظار بأنه جزء من المتعة، معتبرًا أن الزيارة تقترب أكثر من “زيارة متحف” منها إلى استراحة قهوة عادية.
من ناحية أخرى، يعزو طه بوقديب الإقبال إلى فلسفة العلامة في “مشاركة تجربة القهوة” مع العملاء، وهي رؤية ترى في كل تفصيل من التصميم والضيافة امتداداً للهوية الثقافية التي يريدون إبرازها أمام جمهور محلي ودولي.
الأثر السياحي والثقافي والتحديات المستقبلية
يوفّر تجمع المتحف والمقهى نموذجاً لاستثمار التراث الثقافي في التنمية السياحية المحلية، ويساهم في إطالة مدة بقاء الزائر ضمن المدينة القديمة. علاوة على ذلك، فإن مثل هذه المبادرات قد تفتح آفاقاً لتعاون بين مؤسسات التراث والقطاع الخاص لتمويل ترميم وصيانة المواقع التاريخية.
من جهة أخرى، تبقى أمام القائمين تحديات متعلقة بإدارة الكثافة والزوار خلال فترات الذروة، والحفاظ على التوازن بين الطابع الأثري للمكان ومتطلبات العمل التجاري، كما يستمر السؤال حول استدامة إمدادات الحبوب النادرة وأسعارها المتقلبة في الأسواق العالمية.
خاتمة وتوقعات
يبقى مقهى دار الباشا نموذجاً معبّراً عن كيفية دمج التراث المعماري مع تجربة معاصرة للقهوة، ومن المنتظر أن تتابع إدارة القصر تنظيم معارض فنية وأنشطة ثقافية تزيد من جاذبية الموقع. يجب على المتابعين رصد مواعيد المعارض المقبلة وسياسات الحجز لتقليل وقت الانتظار، كما ستكون مراقبة تأثير المشروع على حركة السياحة في مراكش العتيقة مؤشراً مهماً للنجاح المستدام.






