تعود حماة تدريجياً إلى الواجهة السياحية بعد عقود من التهميش والإهمال الذي تلا أحداث الثمانينيات ومجزرة عام 1982، حيث شهدت المدينة مشاريع ترميم وكشفاً عن مواقع أثرية ودينية ظلت مخفية عن الأنظار. يتركز الجهد الحالي على إعادة تأهيل قلاع ومعالم تاريخية ونواعير العاصي لخلق مسارات سياحية تجمع بين التراث الطبيعي والمعماري.
تشهد الحركة السياحية في المدينة تزايداً ملموساً هذا الموسم، بحسب مسؤولين محليين، مع اهتمام متزايد من زوار محليين وأجانب بالمواقع الأيوبية والمملوكية والعثمانية، ما يفتح نافذة لإعادة بناء قطاع سياحي مستدام في المحافظة.
حماة تستعيد مكانتها على خريطة السياحة
أفضى عمل المجالس المحلية ودائرة الآثار إلى ظهور مؤشرات أولية لعودة السياح إلى المدينة، إذ سجلت فنادق حماة ارتفاعاً في نسب الإشغال خلال الأشهر الأخيرة. بالإضافة إلى ذلك، أعلنت المديرية المختصة عن إعداد مسارات سياحية مكيفة للزوار العرب والأجانب وربطها بخدمات خرائط إلكترونية لتسهيل الوصول إلى المواقع الأثرية.
من ناحية أخرى، تشير تقارير محلية إلى أن إظهار المعالم القديمة وإزالة الإشغالات عن ساحات وسط المدينة ساهم في زيادة الحركة التجارية والمطاعم، مع انعكاسات إيجابية على أصحاب المنشآت الصغيرة والأسر العاملة في القطاع السياحي.
قصر الأرناؤوط: من مقر والي إلى مشروع ترميم
يُعد قصر الأرناؤوط أحد أبرز المعالم التي أعيدت إلى دائرة الاهتمام بعد أن ظل لسنوات طويلة مغلقاً ومهملاً، وتحول محيطه إلى مكب نفايات في بعض الفترات. بُني القصر في العصر العثماني على يد محمد باشا الأرناؤوط، ويحتوي على نقوش ولوحة رخامية مؤرخة بـ1306هـ، لكن لا تزال الحاجة ماسة لدراسات توثيقية أثرية تحدد مراحله المعمارية بدقة.
بحسب آثاريين محليين، مر القصر بمراحل تحويل متعددة شملت استخدامه مكاتب وإدارات وسجوناً في فترات لاحقة، ما أثر على بنية بعض أجزائه. لذلك تتضمن خطط التأهيل أعمال تنظيف شاملة، وترميم الواجهات والتقنيات الإنشائية مع فتحه للاستثمار الثقافي والسياحي وفق نظم حفظ موثوقة.
المدرسة العصرونية ودار التوتان: إحياء مدارس القرآن والتراث الديني
تقع المدرسة العصرونية ودار التوتان قرب ضفاف نهر العاصي في منطقة باب حمص، وهما من مواقع التعليم القرآني التاريخية التي أعيد كشفها بعد إزالة إشغالات وحواجز نباتية. تشير النقوش التاريخية إلى أن الدار كانت مخصصة لإقامة طلاب القرآن وأوقافهم، وقد ظلت لسنين محجوبة عن الجمهور بسبب تشابك الملكيات والإهمال.
أفاد باحثون آثاريون أن أعمال التوثيق والترميم التي جرت في الستينيات أعطت أساساً لإعادة الظهور الحالي للموقع، لكنهم يؤكدون الحاجة إلى مسوحات أثرية إضافية وحفظ الكتب والمخطوطات المرتبطة بالمؤسسات العلمية القديمة لتعزيز القيمة المعروضة للزوار.
مشاريع حكومية لإعادة تأهيل النواعير والمرافق العامة
تشمل برامج التأهيل تنظيف القناطر التاريخية وإنارة الشوارع المطلة على نهر العاصي وصيانة النواعير التي تقلص عددها من حوالي 25 إلى 15 نتيجة الإهمال والسرقة. كما يجري العمل على إعادة تأهيل مطاعم ومقاهي شعبية تطل على النهر، من بينها مطعم الأربع نواعير الذي يُعد من رموز الحياة اليومية في حماة.
أفاد مدير المنطقة بوجود مشاريع لتحسين الحدائق العامة والطرقات الحيوية في أحياء مثل البرناوي والصابونية والبياض، مع تعاون بين المحافظة والقطاع الخاص لربط المواقع الأثرية بخدمات ضيافة ونقل تلائم توقعات الزائرين.
التحديات والفرص أمام قطاع السياحة والآثار
رغم الانتعاش الحالي، يواجه قطاع السياحة في حماة تحديات تتعلق بضعف الدراسات الأثرية، وتقلبات الاستثمارات، والحاجة إلى تدريب كوادر سياحية مؤهلة. علاوة على ذلك، تتطلب حماية المواقع التاريخية آليات قانونية وواضحة لإزالة الإشغالات وإعادة ضبط الملكيات والأوقاف المرتبطة بها.
من جهة أخرى، تفتح البنية المعمارية النادرة والمواقع الدينية والطبيعية فرصاً للترويج السياحي المستهدف، خصوصاً أن الزوار الأجانب يولون اهتماماً خاصاً بالمواقع التي تجمع بين الطراز الأيوبي والمملوكي والعثماني، وهو ما يتوافق مع موارد حماة التاريخية.
خاتمة: ما الذي ينتظر زوار حماة لاحقاً؟
تتجه خطة العمل المحلية خلال الأشهر المقبلة إلى استكمال مراحل ترميم قصر الأرناؤوط وإعادة تأهيل عدد إضافي من النواعير وفتح مسارات سياحية مرمزة، بحسب المسؤولين. لذلك ينبغي متابعة إعلان الجداول الزمنية لمشاريع الترميم واستكمال دراسات التوثيق الأثرية لتحديد أولويات الإنفاق والاستثمار.
في المدى القصير، يراقب الخبراء تأثير هذه المشاريع على نسب الإشغال السياحي والدخل المحلي، وفي المدى المتوسط يتوقع أن تسهم عملية التنسيق بين الجهات الحكومية والمجتمع المحلي والقطاع الخاص في تحويل حماة إلى مقصد سياحي متمايز ضمن المشهد السوري الأوسع.






