تتزايد تكلفة الأجهزة الإلكترونية مثل الهواتف والحواسيب، ويعزى ذلك بشكل مباشر إلى الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران وتداعياتها الخفية التي امتدت لتشمل صناعة الرقائق وأشباه الموصلات. هذه الأزمة، التي بدأت كاختناق في سلاسل الإمداد، تتفاقم لتؤثر على أسعار المواد الخام ومدة وصول المكونات الحيوية، مما يفرض ضغوطًا مضاعفة على قطاع التكنولوجيا العالمي.
تتجاوز تداعيات الحرب مجرد القطاعات التقليدية المتأثرة مباشرة بالقصف والحصار، لتصل إلى قلب الصناعات الإلكترونية. فقد تحولت أزمة الطاقة والشحن إلى صدمة مباشرة في سلاسل إمداد الشرائح الإلكترونية ولوحات الدوائر المطبوعة، وهي المكونات الأساسية في أغلب الأجهزة الحديثة، بدءًا من الهواتف والحواسيب وصولًا إلى السيارات ومراكز البيانات.
صدمة المواد الخام في صناعة الإلكترونيات
تكشف الأزمة عن هشاشة قطاع التكنولوجيا، الذي يعتمد بشكل كبير على مواد خام ومسارات شحن ومجمعات بتروكيماوية محددة جغرافيًا. أي اضطراب في مناطق مثل الخليج يمكن أن يؤدي إلى رفع التكاليف عالميًا وإبطاء الإنتاج.
تعد لوحات الدوائر المطبوعة، المعروفة اختصارًا بـ “PCB”، من أكثر المواد تأثرًا بهذه الظروف. تعمل هذه اللوحات كالجهاز العصبي للإلكترونيات، حيث تربط الرقائق والمكونات وتسمح بتدفق الإشارات الكهربائية بينها، مما يجعل أي نقص فيها يعطل عملية التصنيع.
فاقم استهداف مجمع الجبيل للبتروكيماويات في السعودية، والذي كان ينتج مادة الراتنج عالية النقاء المستخدمة في تصنيع شرائح عزل لوحات الدوائر المطبوعة، من تفاقم الأزمة. وبحسب تقارير، فإن شركة سابك، التي تهيمن على جزء كبير من الإمدادات العالمية لهذه المادة، لم تتمكن من استئناف الإنتاج، مما أدى إلى تضييق المعروض العالمي في وقت كان فيه الطلب قويًا بفعل التوسع في مجال الذكاء الاصطناعي.
قفزت أسعار لوحات الدوائر المطبوعة في أبريل/نيسان الماضي بما يصل إلى 40% مقارنة بالشهر الذي سبقه، بينما ارتفعت أسعار رقائق النحاس، وهي مكون أساسي، بنسبة تصل إلى 30% منذ بداية العام. يمثل النحاس غالبًا حوالي 60% من إجمالي تكلفة المواد الخام في تصنيع هذه اللوحات، وفقًا لتقديرات شركات صينية كبرى.
لم تقتصر الأزمة على زيادة الأسعار، بل امتدت إلى زمن التوريد. فقد ارتفعت فترات الانتظار للحصول على مواد كيميائية حيوية مثل “راتنج الإيبوكسي” من ثلاثة أسابيع إلى حوالي 15 أسبوعًا، مما يشير إلى اختناق فعلي في سلسلة الإمداد.
ضغط مضاعف على قطاع التكنولوجيا
تزامنت هذه الأزمة مع طلب غير مسبوق على مكونات الذكاء الاصطناعي، خاصة خوادم الحوسبة السحابية والرقائق المتقدمة. ومع ذلك، فإن الشركات الكبرى في مجال الحوسبة السحابية تبدو قادرة على تحمل زيادات الأسعار، حيث يُتوقع أن يظل الطلب أعلى من العرض في السنوات القادمة، مما يوفر لموردي المواد الخام واللوحات ظروفًا مواتية لزيادة أسعارهم.
يرى خبراء في قطاع التكنولوجيا أن الحرب لم تخلق الأزمة من الصفر، بل فاقمت وضعًا كان يعاني من اختلال في التوازن بين الطلب والطاقة الإنتاجية منذ عام 2020. فالطلب المتزايد على مراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي حمّل صناعة الرقائق ضغطًا إضافيًا، لتأتي الحرب وتضيف طبقة أخرى من الاضطراب عبر تعطيل البنى التحتية اللوجستية ورفع زمن التسليم وكلفة الشحن.
تمتد الأزمة لتشمل مكونات حيوية أخرى مثل الهيليوم والبلاديوم، بالإضافة إلى المواد الكيميائية الدقيقة. وقد أثرت الحرب الروسية الأوكرانية سابقًا على هذه العناصر، وزادت الحرب الحالية من ندرتها وصعوبة وصولها إلى المصانع.
تضيف القيود التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين بعدًا آخر للأزمة، حيث تحول الصراع على الرقائق من تجاري إلى تنافس أوسع على السيطرة التقنية والعسكرية.
تكلفة الإنتاج: الطاقة والمواد الخام والشحن
تنتقل صدمة الحرب إلى قطاع التكنولوجيا عبر ثلاث قنوات رئيسية: الطاقة، المواد الخام، والشحن. صناعة أشباه الموصلات، على وجه الخصوص، تستهلك كميات هائلة من الكهرباء وتحتاج إلى بيئات إنتاج فائقة الدقة، مما يجعلها شديدة الحساسية لأي ارتفاع في أسعار الطاقة.
مع ارتفاع أسعار الطاقة في أوروبا وآسيا، تتزايد تكلفة تشغيل مصانع الرقائق. كما أن إعادة توطين الصناعة في الولايات المتحدة، عبر قوانين مثل “Chips Act”، يضيف استثمارات ضخمة وكلفة جديدة للقطاع.
تساهم اضطرابات الشحن، وإغلاق الممرات البحرية والجوية، وارتفاع أسعار الوقود، في زيادة الكلفة التشغيلية وتأخير تسليم المكونات. وتشير التوقعات إلى استمرار هذه الانعكاسات السلبية طوال العام، وربما حتى عام 2027.
مواد حرجة واضطرابات في العرض
من زاوية أخرى، تكشف الحرب عن اعتماد تصنيع الرقائق على مواد تبدو بعيدة عن الاهتمام العام، لكنها حاسمة في الإنتاج، مثل الهيليوم والبروم وحمض الكبريتيك. ويؤثر إغلاق مضيق هرمز وتضرر المنشآت في المنطقة على تدفق هذه المواد، خاصة الهيليوم المستخدم في تبريد المعدات وصناعة الرقائق الدقيقة.
لم تتوقف الضربة عند الهيليوم، بل امتدت إلى الألمنيوم والتنغستن والنحاس. تتزامن زيادة أسعار لوحات الدوائر المطبوعة مع ارتفاع أسعار رقائق النحاس وضغوط قائمة في سوق رقائق الذاكرة بسبب الطلب على الذكاء الاصطناعي.
تكمن شدة الصدمة في ضربها للمدخلات الأساسية في وقت واحد: الطاقة، والمواد النادرة، والمعادن، والشحن. هذا المزيج يرفع تكلفة الإنتاج في كل حلقة من حلقات سلسلة التكنولوجيا.
هشاشة آسيوية في مواجهة الأزمة
تبدو آسيا أكثر عرضة لهذه التداعيات، نظرًا لاعتمادها الكبير على الطاقة المستوردة من الشرق الأوسط، والتمركز الكثيف لصناعة الرقائق والذاكرة في كوريا الجنوبية وتايوان والصين. تستورد كوريا الجنوبية أغلب نفطها الخام من الشرق الأوسط عبر مضيق هرمز، بينما تهيمن شركاتها على سوق ذاكرة النطاق العالي.
أي اضطراب في الطاقة أو المواد الخام في كوريا الجنوبية يؤثر على شركات الحوسبة السحابية، ومصنعي الهواتف، وخوادم الذكاء الاصطناعي، ومن ثم على الاقتصاد الرقمي العالمي. كما تظل تايوان، بحكم مكانتها في صناعة الرقائق المتقدمة، شديدة الحساسية لأي نقص في الغازات الصناعية أو المواد الكيميائية فائقة النقاء، أو ارتفاع في تكاليف الطاقة والشحن.
تحول جغرافي في خارطة إنتاج التكنولوجيا
لا تقف الحرب عند حدود رفع الكلفة، بل تدفع الشركات والدول إلى إعادة النظر في خريطة الإنتاج. فالتكنولوجيا، وخاصة الرقائق والبنية الرقمية، باتت جزءًا من الأمن القومي، مما يؤدي إلى إعادة تشكيل خريطة التكنولوجيا منذ الحرب الروسية الأوكرانية، وتسارع وتيرتها مع تزايد استخدام التكنولوجيا في الحروب السيبرانية والذكاء الاصطناعي.
تكشف اتفاقيات شركات الذكاء الاصطناعي مع المؤسسات الدفاعية أن التكنولوجيا لم تعد قطاعًا اقتصاديًا منفصلاً، بل أصبحت جزءًا لا يتجزأ من بنية القوة العسكرية والسياسية.
تكشف الحرب عن “فاتورة متأخرة” لعقود من العولمة المفرطة، حيث بنت الشركات نماذجها على افتراض استقرار الممرات البحرية والطاقة والمواد الخام. هذا يدفع نحو تنويع الموردين، وتوسيع التصنيع في مناطق مختلفة، وتقوية البنية الكهربائية حول مجمعات الرقائق.
من غير المتوقع حدوث قفزة فورية في أسعار الأجهزة الإلكترونية، إلا أن الارتفاع سيظهر تدريجيًا في صورة زيادة أسعار الهواتف والحواسيب والأجهزة المنزلية، وتراجع الخصومات، وربما نقص بعض المنتجات. قد تمتص الشركات جزءًا من الكلفة مؤقتًا للحفاظ على حصتها السوقية، لكنها لن تستطيع تحمل ذلك إلى ما لا نهاية.
قد يؤدي توجيه الإمدادات نحو خوادم الذكاء الاصطناعي والرقائق الأعلى ربحية إلى الضغط على الإلكترونيات الاستهلاكية الأقل ربحية، مما يجعل الهواتف والحواسيب العادية في منافسة غير مباشرة مع مراكز البيانات العملاقة على المكونات نفسها.






