لجأت شركات وادي السيليكون في قطاع الذكاء الاصطناعي إلى حل مبتكر وغير تقليدي لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة، وذلك بتثبيت محركات الطائرات النفاثة بجوار مراكز البيانات. يأتي هذا الحل لمواجهة تحديات الطاقة التي تفرضها التقنيات المتقدمة، حيث تجد الشركات صعوبة في الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية والمتجددة، وكذلك شبكات الكهرباء القائمة.
يواجه بناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي عقبات كبيرة تتعلق بالبنية التحتية للطاقة، حيث لم تعد المشكلة تقتصر على الرقائق الإلكترونية بل امتدت لتشمل المعدات الثقيلة وأنظمة توزيع الكهرباء. يثير هذا التوجه تساؤلات حول استدامته، خاصة وأن محركات الطائرات النفاثة تعتمد على الوقود الأحفوري، مما يثير مخاوف بيئية.
الآلات الثقيلة: عنق الزجاجة الجديد لتشغيل الذكاء الاصطناعي
أصبحت محركات الطائرات النفاثة حلاً سريعاً للشركات التي تعمل في مجال الذكاء الاصطناعي، مساعدتها على تجاوز مشكلة نقص الآلات الثقيلة اللازمة لتوليد الطاقة. هذا النقص يعيق التوسع الكبير الذي تشهده مراكز البيانات عالمياً، مع تزايد الطلب عليها بشكل استثنائي.
تتطلب مراكز البيانات مستويات عالية جداً من الطاقة بشكل مستمر، وهو ما قد لا توفره المصادر البديلة بسهولة. على الرغم من وجود خيارات متنوعة للطاقة خارج نطاق الشبكات التقليدية، إلا أن هذه المصادر تواجه قيوداً تجعلها غير كافية لتلبية احتياجات مراكز البيانات.
يشير تقرير “ناشونال إنتريست” إلى أن الخيارات المتاحة لمراكز البيانات تتضمن الطاقة المتجددة مثل الرياح والطاقة الشمسية، أو توليد الطاقة النووية، أو الاعتماد على الغاز الطبيعي. ومع ذلك، فإن الاعتماد المستمر على الطاقة يزيد من كلفة تخزين الطاقة عبر البطاريات، ويجعل المصادر المتجددة غير عملية ومكلفة للغاية. فالطاقة المتجددة قد لا تكون متاحة طوال الوقت، وقد لا تتمكن من توفير الكمية المطلوبة بشكل مستمر.
تحتاج الحكومات والشركات إلى سنوات عديدة لبناء وتشغيل المفاعلات النووية، وقد يستغرق الأمر ما يصل إلى 15 عاماً للاستفادة من مفاعلات الطاقة النووية المصغرة أو المحطات النظيفة. هذا الجدول الزمني الطويل يجعل الطاقة النووية حلاً غير عملي على المدى القصير لشركات الذكاء الاصطناعي.
في الوقت الحالي، يبرز الغاز الطبيعي كخيار أقرب، ولكن استخدام المولدات التي تعمل بالغاز الطبيعي يواجه تحديات أخرى. ونظراً لندرة وضعف توافر الآلات الثقيلة اللازمة لتوليد كميات كبيرة من الطاقة من الغاز الطبيعي، فإنها تتحول إلى عنق زجاجة يحول دون بناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
هناك أسباب متعددة تجعل المولدات الكبيرة التي تعمل بالغاز الطبيعي تشكل عنق الزجاجة. من بين هذه الأسباب، الحاجة إلى معادن نادرة قادرة على تحمل الضغوط العالية التي تنتج عن توليد أحمال كهربائية ضخمة ومستمرة. بالإضافة إلى ذلك، تتطلب هذه المولدات الحصول على موافقات حكومية طويلة، مما قد يستغرق سنوات، وهو وقت لا يتوفر في سباق الذكاء الاصطناعي السريع التغير، وفقاً لتقرير “وول ستريت جورنال”.
مخرج طوارئ سريع: محركات الطائرات النفاثة
تبرز محركات الطائرات النفاثة كحل مثالي وسريع لتجاوز هذه الأزمة. بدأت بعض الشركات في تعديل محركات الطائرات النفاثة، مثل تلك المستخدمة في طائرات “بوينغ”، لتمكينها من تزويد مراكز البيانات بالطاقة بتكلفة أقل وبسرعة أكبر مقارنة بالحلول التقليدية.

وفقاً لتقرير “ناشونال إنتريست”، فإن الوقت اللازم لتعديل وتركيب محركات الطائرات النفاثة بشكل ثابت بجوار مراكز البيانات، خارج شبكة الكهرباء الرئيسية، أقصر بكثير من الوقت المطلوب للحلول الأخرى، حيث يمكن إنجازه في غضون أشهر قليلة بدلاً من سنوات.
تعمل الشركات على تعديل وإعادة استخدام المحركات القديمة من الطائرات التي انتهت خدماتها، لتصبح قادرة على العمل بالوقود الغازي بدلاً من وقود الطائرات التقليدي. هذه الخطوة تقلل من النفايات وتعيد استخدام التكنولوجيا المتاحة.
محركات مخصصة للذكاء الاصطناعي بدلاً من الطائرات
لم يتوقف الأمر عند تعديل المحركات القديمة، بل امتد ليشمل تطوير محركات جديدة مصممة خصيصاً لتلبية احتياجات مراكز البيانات. أشارت شركة “بوم سوبر سونيك” (Boom Supersonic) إلى خططها لتصميم محركات تستفيد من خبرتها في تقنيات الطائرات الأسرع من الصوت.
تخطط “بوم سوبر سونيك” لبناء محركات مصممة خصيصاً لتشغيل مراكز البيانات، مستفيدة من التقنية الهندسية المتقدمة لمحركات طائراتها الأسرع من الصوت. وقد نجحت الشركة في جمع تمويل يتجاوز 300 مليون دولار لدعم هذا الاتجاه، مما يعكس تغيراً في النظرة لاستخدام محركات الطائرات.
أزمة بيئية وأخلاقية في ظل الاعتماد على الوقود الأحفوري
على الرغم من أن محركات الطائرات النفاثة توفر حلاً سريعاً وعملياً لتشغيل مراكز البيانات، إلا أنها تضع شركات وادي السيليكون أمام معضلة أخلاقية وبيئية. تعتمد هذه المحركات بشكل أساسي على الغاز الطبيعي، وهو وقود أحفوري يساهم في التلوث البيئي.
يتناقض هذا الاعتماد على الوقود الأحفوري مع الوعود التي تقدمها هذه الشركات للمستثمرين والمستهلكين بخفض بصمتها الكربونية والتحول نحو مصادر طاقة أكثر استدامة. يثير هذا الأمر تساؤلات حول التزامهم بالمسؤولية البيئية.
بالإضافة إلى ذلك، تتطلب محركات الوقود الأحفوري تكاليف صيانة مرتفعة لضمان عملها بكفاءة لفترات طويلة، وهو ما يثير شكوكاً حول جدوى استخدامها على المدى الطويل، فضلاً عن تأثيراتها البيئية السلبية.
يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت شركات الذكاء الاصطناعي ستتمكن من إيجاد حلول مستدامة للطاقة تلبي احتياجاتها المتزايدة دون الإضرار بالبيئة، أو ما إذا كانت ستستمر في الاعتماد على حلول مؤقتة، مثل محركات الطائرات النفاثة، التي تحمل في طياتها تحديات بيئية وأخلاقية كبيرة.






