اشتدت حدة المنافسة في سوق الذكاء الاصطناعي بشكل غير مسبوق في الأشهر الماضية، حيث تتصارع شركات التكنولوجيا الأمريكية والصينية على الريادة، كلٌّ بتبني استراتيجيات مختلفة لتطوير وبيع منتجاتها. وعلى الرغم من العقوبات الأمريكية التي تحد من وصول الشركات الصينية إلى أحدث شرائح الذكاء الاصطناعي، إلا أنها تطور نماذجها الخاصة بفعالية عالية وتكلفة أقل بكثير، مما يثير تساؤلات حول مستقبل الصناعة وهيمنة الشركات الغربية.

فلسفة مختلفة لسباق الذكاء الاصطناعي

تتبنى الشركات الصينية في مجال الذكاء الاصطناعي فلسفة مغايرة جذريًا لنظيراتها الأمريكية. فبدلاً من الاحتفاظ بالأكواد المصدرية وآليات التدريب بشكل سري، تقوم هذه الشركات بإتاحة نماذجها مفتوحة المصدر أمام المطورين وصناع التقنية في الصين. هذا النهج يهدف إلى تسريع تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي عبر الاقتصاد الصيني بأسره.

كما تركز الشركات الصينية على تطوير نماذج تحاكي قوة النماذج الأمريكية، ولكن دون الحاجة إلى البنية التحتية العتادية الضخمة التي تمتلكها الشركات الأمريكية. هذا يجنبها الاعتماد على التكنولوجيا الغربية ويسمح لها بتقديم خدماتها بأسعار تنافسية للغاية.

وبحسب تقرير نشرته وكالة بلومبيرغ، فإن النسخة الأحدث من نموذج “ديب سيك” (DeepSeek) تحمل اسم “في 4” (V4) وتظهر قدرات مماثلة، بل وتتفوق أحيانًا على نماذج أمريكية بارزة مثل “كلود أوبس 4.6″ (Claude Opus 4.6) و”جي بي تي 5.4” (GPT 5.4)، لكن بتكلفة أقل بكثير كونها نموذجًا مفتوح المصدر.

الالتفاف حول القيود التصديرية في سباق الذكاء الاصطناعي

تفرض القيود الأمريكية على شركات مثل “إنفيديا” (Nvidia) تطوير شرائح مخصصة للسوق الصينية تكون أضعف بنسبة 20% وتستهلك طاقة بنسبة 30% أعلى من نظيراتها. تهدف هذه الإجراءات إلى الحد من تطور النماذج الصينية، إلا أن الشركات الصينية نجحت في الالتفاف عليها.

وقد نجحت الشركات الصينية في تطوير نماذج أكثر كفاءة لا تعتمد بشكل كبير على استهلاك الطاقة والقوة الحوسبية. تعتمد هذه النماذج على تقنية “النماذج المضغوطة” (Compressed Models)، مما يعني إنجاز المهام المطلوبة في خطوات أقل مقارنة بالنماذج المنافسة.

ويشير تقرير بلومبيرغ إلى أن نماذج مثل “ديب سيك” لا تحتاج إلى تشغيل كامل قوتها الحوسبية للإجابة على الاستفسارات، بل تعتمد على شبكات عصبية فرعية متخصصة للإجابة على الأوامر المباشرة. هذا يجعلها أكثر فعالية في التعامل مع المهام المحددة مقارنة بالنماذج الأمريكية القادرة على معالجة كميات أكبر من المعلومات.

بالإضافة إلى ذلك، بدأت شركات صينية مثل “ديب سيك” في استخدام شرائح “هواوي” (Huawei) المخصصة للذكاء الاصطناعي. هذه الشرائح قادرة على تقديم أداء مقارب لشرائح “إنفيديا” مع الابتعاد عن القيود الأمريكية والتطور بوتيرة أسرع نسبيًا.

وتجدر الإشارة إلى أن بعض الشركات الصينية، مثل “ديب سيك”، واجهت اتهامات من شركات أمريكية مثل “أنثروبيك” (Anthropic) بالاعتماد على تقطير نماذج “كلود” (Claude) لتدريب نماذجها الخاصة، وهو ما يعد انتهاكًا لشروط الاستخدام.

تكلفة أقل بكثير في سوق الذكاء الاصطناعي

يؤكد تقرير من موقع “ماشابل” (Mashable) التقني أن تكلفة استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية مثل “ديب سيك في 4” أقل بما لا يقارن بنظيراتها الأمريكية. هذا يشمل تكلفة استهلاك “التوكنز” (Tokens) الخاصة بالنماذج.

تبلغ تكلفة استهلاك مليون توكن في “ديب سيك” حوالي 5.22 دولارات، مقارنة بنحو 35 دولارًا لنموذج “شات جي بي تي 5.5” (ChatGPT 5.5) الأحدث، و30 دولارًا لنموذج “كلود أوبس 4.7” (Claude Opus 4.7) من “أنثروبيك”، و14 دولارًا لنموذج “جيميناي 3.1 برو” (Gemini 3.1 Pro) من جوجل.

هذه السياسة التسعيرية التنافسية تضع الشركات الأمريكية تحت ضغط مستمر لخفض أسعار خدماتها لمواجهة النماذج الصينية المتطورة.

أسواق مختلفة وتوجه نحو الأسواق الناشئة

تركز شركات الذكاء الاصطناعي في وادي السيليكون على خدمة العملاء الغربيين والأوروبيين القادرين على تحمل تكاليف اشتراكاتها. في المقابل، تتبع الشركات الصينية نهجًا مختلفًا، مستهدفة أسواقًا جديدة في أفريقيا والقارة النامية بتقديم خدماتها ذات الأسعار المنخفضة.

وتؤكد “مايكروسوفت” (Microsoft) أن تقنيات “ديب سيك” قد اكتسبت شعبية واسعة في الدول النامية، بما في ذلك دول أفريقية مثل إثيوبيا وزيمبابوي وأوغندا ونيجيريا. بالإضافة إلى ذلك، تجد هذه النماذج طريقها إلى دول تخضع لعقوبات أمريكية مثل روسيا وإيران.

هل تنجح الشركات الصينية في كسر هيمنة النماذج الأمريكية؟

حاليًا، تهيمن الشركات الأمريكية بشكل كامل على صناعة الذكاء الاصطناعي، بدءًا من تطوير الشرائح وصولًا إلى النماذج نفسها. لكن الشركات الصينية تبدو قادرة على تحدي هذه الهيمنة بشكل متزايد، مدعومة بتطور شرائح “هواوي” وطرق التدريب المبتكرة لنماذجها.

يمثل هذا التطور تهديدًا للشركات الأمريكية ليس فقط من باب خسارة الأسواق، بل أيضًا بسبب النموذج التسعيري المنخفض الذي تتبعه الشركات الصينية. يبقى السؤال ما إذا كانت الشركات الأمريكية ستستجيب لهذا الضغط بخفض أسعارها، أم أن الشركات الصينية ستتمكن من الاستحواذ على حصة كبيرة من سوق الذكاء الاصطناعي العالمي.

يشير المحللون إلى أن مستقبل سباق الذكاء الاصطناعي سيعتمد على قدرة الشركات على الابتكار مع الحفاظ على التنافسية السعرية، مع مراقبة تطورات القيود التجارية والتكنولوجية بين أكبر اقتصادين في العالم.

شاركها.