في خضم التوترات المتصاعدة في مضيق هرمز، حيث تمر شريان الطاقة العالمي، تشهد البحرية الأمريكية سباقاً زمنياً لمواجهة تهديد الألغام البحرية الإيرانية، سلاح “الفقراء” الذي يمثل تحدياً استراتيجياً. لمواجهة هذا الخطر، تتجه واشنطن نحو توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، في خطوة تعكس التحول في العقيدة العسكرية البحرية.

ونقلت وكالة رويترز عن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن بحريته تعمل على “تطهير” المضيق من الألغام. ومع ذلك، فإن الواقع الميداني يفرض تحديات لوجستية وزمنية كبيرة. فالتمشيط التقليدي قد يستغرق أشهراً، وهو أمر لا يتناسب مع وقف إطلاق النار الهش الذي أعقب أسابيع من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. هذا الموقف دفع بالبحرية الأمريكية إلى الاستعانة بشركات الذكاء الاصطناعي لتسريع عملية الرصد والكشف.

ثغرة استراتيجية وتطور تقني

يأتي هذا التحول المتسارع نحو الذكاء الاصطناعي ليعالج ثغرة استراتيجية واجهتها واشنطن قبيل اندلاع الأزمة. فقد أحالت البحرية الأمريكية جزءاً كبيراً من أسطول كاسحات الألغام المأهولة القديم إلى التقاعد، تمهيداً لتعويضه بسفن قتال ساحلية أخف وزناً. وما ضاعف من تعقيد المشهد في ذروة الأزمة، هو ما كشفه مسؤول أمريكي لوكالة رويترز عن خضوع سفينتين من هذه البدائل الحديثة للصيانة في سنغافورة.

هذا الوضع حدّ من الجاهزية العملياتية في تلك الفترة، وجعل الاعتماد على التقنيات المسيرة، مثل الروبوتات البحرية، ضرورة عملياتية لا مفر منها، وليس مجرد خيار تكنولوجي. وعادة ما تتطلب الأنظمة التقليدية وقتاً طويلاً من عملية التمشيط والتعامل مع كل لغم على حدة.

من الدلافين إلى الدرونز البحرية للرصد

وأمام هذا المأزق العملياتي، تسارعت خطى التحول نحو البدائل، لتطوي صفحة من الأساليب التقليدية. فقد اعتمدت البحرية تاريخياً لتمشيط الأعماق على خيارات مأهولة ومكلفة، شملت كاسحات الألغام، والمروحيات، والغواصين، بل وحتى “الدلافين المدربة” ضمن برامج الثدييات البحرية. أما المشهد اليوم فقد تغير جذرياً.

تشير تقارير إلى أن البحرية باتت تنشر شبكة متطورة من الزوارق والغواصات المسيرة، مثل زورق CUSV وغواصتي Kingfish و Knifefish. وتتولى هذه الروبوتات مسح قاع المحيط بأشعة السونار في شرائح واسعة، لتنجز المهمة بكفاءة ودون تعريض حياة البحارة للخطر. غير أن مسح القاع وجمع البيانات عبر هذه الروبوتات ليس سوى نصف المعركة؛ فالنصف الآخر يكمن في سرعة تحليلها.

“دومينو” ودور الذكاء الاصطناعي في العمليات البحرية

لجعل هذه الغواصات المسيرة ذكية وقادرة على التعلم السريع، أبرمت البحرية الأمريكية اتفاقاً ضخماً. ووفقاً لوكالة رويترز، منحت شركة “دومينو داتا لاب” (Domino Data Lab) عقداً تصل قيمته إلى نحو 100 مليون دولار، لتصبح الشركة بمثابة “العمود الفقري للذكاء الاصطناعي” لمشروع يُعرف عسكرياً باسم AMMO، وهو اختصار لـ “التعلم الآلي المعجل للعمليات البحرية”.

يهدف مشروع AMMO، الذي أطلقته البحرية بالتعاون مع وحدة الابتكار الدفاعي (DIU)، إلى “جعل رصد الألغام تحت الماء أسرع، وأدق، وأقل اعتماداً على البحارة البشريين”. البرنامج يدمج البيانات من أجهزة استشعار متعددة مثل السونار وأنظمة التصوير البصري، ويتيح للبحرية مراقبة أداء نماذج الكشف العاملة بالذكاء الاصطناعي في الميدان، وتحديد الإخفاقات، ودفع تحديثات لتحسين الأداء.

ويوضح توماس روبنسون، المسؤول عن العمليات (COO) في شركة “دومينو”، أن مهمة رصد الألغام التي كانت من اختصاص السفن “أصبحت من اختصاص الذكاء الاصطناعي… البحرية تدفع ثمن البرنامج الذي يمكنها من إدارته وتوزيعه بالسرعة المطلوبة.”

السرعة كعنصر حاسم في المواجهات البحرية

الرهان الأساسي في هذا العقد هو الوقت، فوفقاً لمادة تقنية نشرت على الموقع الرسمي لشركة “دومينو”، فإن خط عمليات التعلم الآلي الخاص بها مكّن البحرية من تقليص زمن تحديث النماذج بنسبة 97%. ففي السابق، كان تحديث نماذج الذكاء الاصطناعي للتعرف على لغم جديد يستغرق نحو 6 أشهر، أما اليوم فقد تقلصت المدة إلى أيام معدودة.

ويوضح روبنسون لرويترز أثر هذه السرعة بالقول: “إذا كانت هناك مركبات مسيرة في بحر البلطيق مدربة على الألغام الروسية، فمن الضروري نشرها في مضيق هرمز لرصد الألغام الإيرانية. بفضل تقنيتنا، يمكن للبحرية أن تكون جاهزة في غضون أسبوع بدلاً من عام”. هذه القدرة على التكيف السريع تعد عنصراً حاسماً في بيئة الأمن البحري المتغيرة.

حدود التقنية والضغط التفاوضي ما وراء هرمز

ورغم هذا التطور التقني، تظل التكنولوجيا عاجزة عن إنهاء الأزمة بكبسة زر. فالتناقض هنا هو أن الذكاء الاصطناعي يسرّع عقل المنظومة ليتمكن من استيعاب وتحليل بيانات الألغام الجديدة في أيام، لكن العملية الميدانية لتمشيط مساحات مائية شاسعة وتدمير كل لغم على حدة تظل محكومة بحدود قاسية.

وهو ما يفسر تحذير قائد العمليات البحرية الأمريكية الأدميرال داريل كودل لرويترز من أن “العثور على الألغام وتدميرها يظل عملية تستهلك وقتاً طويلاً جداً” على أرض الواقع. وتبرز المعضلة الاقتصادية مجدداً؛ فالألغام تبقى رخيصة جداً وإزالتها مكلفة للغاية، ويكفي مجرد التهديد بوجودها لوقف حركة السفن التجارية، كما أشار الأدميرال البريطاني المتقاعد جون بنتريث.

لذلك، يرى الخبراء أن استخدام هذه التقنيات قد يلعب دوراً في الضغط التفاوضي. إذا بدأت الولايات المتحدة بتمشيط الألغام وتمرير سفنها، ورأى الإيرانيون أن قبضتهم على المضيق بدأت تتراخى، فقد يكونون أكثر ميلاً للجلوس إلى طاولة المفاوضات.

هذه التطورات تشير إلى عسكرة موسعة للذكاء الاصطناعي. فقد أبرم البنتاغون اتفاقات منفصلة مع 7 شركات تكنولوجيا عملاقة لاستخدام برامج الذكاء الاصطناعي في “عمليات سرية تشمل تخطيط المهام وتحديد أهداف الأسلحة”. وهكذا، تنقل الولايات المتحدة المواجهة إلى ساحة الذكاء الاصطناعي، حيث التفوق المتوقع للخوارزميات وليس للسفن الحربية. لكن المفارقة تظل قائمة: لغم رخيص ببضعة آلاف من الدولارات، يجبر أقوى جيش في العالم على استثمار مئات الملايين لمجرد رصده قبل أن ينفجر.

شاركها.