حذر باحثون من منظمة الصحة الأمريكية من احتمالية وجود علاقة بين الأطعمة الصحية وزيادة خطر الإصابة بسرطان الرئة لدى فئات معينة، خاصة النساء دون سن الخمسين اللواتي لم يسبق لهن التدخين. كشفت نتائج عرضت خلال الاجتماع السنوي للجمعية الأمريكية لأبحاث السرطان عن نتائج صادمة قد تغير نظرتنا الحالية حول عوامل الإصابة بهذا المرض. يؤكد الباحثون أن هذه النتائج لا تعني بالضرورة أن الغذاء الصحي يسبب المرض، بل تفتح الباب أمام استكشاف عوامل بيئية خفية قد تكون مسؤولة عن تزايد الحالات.
المبيدات الحشرية قد تكشف العلاقة الغامضة
أشارت دراسة قادها فريق من الباحثين، برئاسة جورج ناييفا، أخصائي أورام الرئة في مركز USC Norris الشامل لأبحاث السرطان، إلى أن هناك حاجة ماسة لبحث معمق حول العلاقة بين الزيادة الملحوظة في حالات سرطان الرئة بين النساء غير المدخنات تحت سن الخمسين، وبين استهلاكهن للخضروات والفواكه والحبوب الكاملة. تعتمد هذه التوصية على تحليل بيانات 187 مريضاً بسرطان الرئة غير صغير الخلايا (NSCLC) تتراوح أعمارهم بين 18 و50 عاماً.
ضمت العينة 157 امرأة، وتم تقسيم المشاركين إلى ثلاث مجموعات بناءً على الطفرات الجينية والمسارات الحيوية المرتبطة بتطور الخلايا السرطانية. تم جمع معلومات إضافية حول تاريخ التدخين والأنماط الغذائية باستخدام استبيانات غذائية ومؤشر الأكل الصحي (HEI). كما قام الباحثون بتصنيف مكونات الطعام حسب درجة تعرضها لمبيدات الآفات بناءً على دراسات سابقة.
أظهرت النتائج أن الأنظمة الغذائية لمرضى سرطان الرئة من غير المدخنين، وخاصة النساء، كانت تميل إلى الاعتماد بشكل أكبر على الخضروات والفواكه والحبوب الكاملة. وتشير دراسات سابقة إلى أن هذه المحاصيل الزراعية قد تكون أكثر عرضة للتلوث ببقايا مبيدات الآفات، مما يثير تساؤلات حول دور عوامل أخرى غير التدخين في الإصابة بسرطان الرئة، من بينها التأثيرات المحتملة للنظام الغذائي أو التعرض البيئي للملوثات.
قال الدكتور ناييفا، الباحث الرئيسي في الدراسة، إن الخطوة التالية الحاسمة ستكون تحليل عينات الدم أو البول لدى المرضى لقياس مستويات المواد الكيميائية التي قد تتراكم في الجسم نتيجة تناول أطعمة ملوثة. هذا سيساعد في فهم العلاقة بشكل أوضح بين النظام الغذائي، والتعرض الكيميائي، وخطر الإصابة بالمرض.
علاقة المبيدات بسرطان الرئة
تؤكد الإحصائيات أن النساء غير المدخنات أكثر عرضة للإصابة بسرطان الرئة مقارنة بالرجال غير المدخنين، حيث أن أكثر من 50% من المصابات بهذا المرض هن من غير المدخنات. ولذلك، خضعت العديد من العوامل للبحث لمحاولة تحديد المسبب الرئيسي لهذه الزيادة.
في دراسة أجرتها مجموعة باحثين في الولايات المتحدة، تم تقييم تأثير العوامل المهنية على معدل الإصابة بسرطان الرئة لدى 429 امرأة غير مدخنة. كشفت النتائج عن زيادة في خطر الإصابة بسرطان الرئة بـ 2.4 ضعف لدى النساء اللواتي تعرضن للمبيدات الحشرية في بيئة العمل.
دراسة أخرى نشرت عام 2021 في مجلة “Cancer Research Treatment” تابعت 7,471 مريضاً، وربطت بين التعرض للمبيدات الحشرية وارتفاع خطر الإصابة بسرطان الرئة. وعزا الباحثون ذلك إلى قدرة المواد الكيميائية الموجودة في المبيدات على إحداث تغييرات حيوية داخل الخلايا تؤدي إلى نمو الخلايا السرطانية.
ومع ذلك، حذر الباحثون في كوريا الجنوبية من أن عوامل أخرى قد تلعب دوراً غير مكتشف، وأن الدراسات السابقة لم تستهدف أنواعاً معينة من المبيدات، كما أن هناك حاجة لتقييم تأثير مدة وشدة التعرض للمبيدات على تطور المرض.
نوع المبيد قد يلعب دورا
افترض باحثون صينيون أن نوع المبيد الحشري قد يكون عاملاً مؤثراً في زيادة معدل الإصابة بسرطان الرئة. في تحليل شمل 23 دراسة منشورة، وجدوا زيادة بنسبة 35% في احتمالية الإصابة بسرطان الرئة نتيجة التعرض للمبيدات الكلورية العضوية (Organochlorine) تحديداً، بينما لم تظهر أنواع أخرى من المبيدات تأثيراً واضحاً.
أكدت هذه النتائج مراجعة منهجية سابقة أجراها باحثون صينيون، ربطت بين 13 نوعاً من المبيدات الحشرية، جميعها تنتمي إلى المبيدات الكلورية العضوية، وارتفاع خطر الإصابة بالسرطان.
الأكثر عرضة للمبيدات
في سياق متصل، أجرت جامعة هارفارد دراسة رصدية طويلة المدى على أكثر من 150 ألف امرأة و 29 ألف رجل. قسمت الأغذية المتناولة إلى فئات بناءً على تراكيز بقايا المبيدات. وبعد متابعة استمرت 18 عاماً، لم تكشف النتائج عن علاقة قوية ومباشرة بين تناول الخضراوات والفواكه، سواء كانت عالية أو منخفضة في المبيدات، وبين زيادة خطر الإصابة بسرطان الرئة.
يجدر بالذكر أن البيانات الغذائية قد تحمل نسبة خطأ، وأن مستويات المبيدات جرى تقديرها وليس قياسها بدقة، مما قد يضعف نتائج الدراسة. بينما تستمر الأبحاث حول فوائد المنتجات العضوية، أشارت دراسة نشرت عام 2018 إلى أن زيادة استهلاك المنتجات العضوية قد تقلل خطر الإصابة بالسرطان عموماً.
يؤكد الخبراء ضرورة إخضاع هذه النتائج لمزيد من البحث والتجارب لكشف حقيقة تأثير المبيدات الحشرية على الصحة وعلاقتها بخطر الإصابة بسرطان الرئة. يظل سرطان الرئة أحد أبرز مسببات الوفاة عالمياً، وتستمر الأبحاث في محاولة فهم العوامل المتزايدة للإصابة به، خاصة بين فئات غير المدخنات، لاستكشاف سبل الوقاية الفعالة.






