كشفت دراسة جديدة لمجموعة من الباحثين في جامعة كامبريدج البريطانية عن تفاصيل دقيقة تربط بين مريء باريت وسرطان المريء الغدي، مقدمةً رؤى هامة حول آلية تطور هذا النوع الخطير من السرطان. ويسلط البحث، الذي نُشر في مجلة “نيتشر” المرموقة، الضوء على مريء باريت كعلامة تنبؤية قد تساهم في الكشف المبكر عن سرطان المريء الغدي، مما يفتح آفاقاً جديدة في الوقاية والعلاج.
مريء باريت هو حالة يطرأ فيها تغير على بطانة المريء السفلية، حيث تستبدل خلايا المريء الطبيعية بأنسجة تشبه تلك الموجودة في الأمعاء. يحدث هذا التغير غالباً نتيجة التعرض المزمن لحمض المعدة، لا سيما لدى الأفراد الذين يعانون من مرض الارتجاع المعدي المريئي. ورغم أن مريء باريت بحد ذاته ليس سرطاناً، إلا أن ارتباطه الوثيق بتطور سرطان المريء الغدي يجعله محور اهتمام بحثي وعلاجي مستمر.
كشف مسار نشوء سرطان المريء الغدي
لقد حيّر اختفاء خلايا باريت لدى المرضى عند تشخيص سرطان المريء الغدي العلماء لعقدين من الزمن، على الرغم من وجود أدلة قوية تربط هذه الخلايا بنشوء هذا النوع السرطاني. فقد افترض الباحثون وجود أكثر من مسار محتمل لنشأة الخلايا السرطانية في المريء. تضمنت هذه الفرضيات أن المرض قد يبدأ بوجود حالة مريء باريت أو دونها، مما يشير إلى تنوع في العوامل الوراثية وعوامل الخطر بين المرضى. هذا الافتراض قابله مسار آخر يطرح احتمال نقطة بداية مشتركة للمرض، مما يعني وجود تشابه في الخصائص الجينية وعوامل الخطر، وبالتالي يدعم فرضية أن مريء باريت هو المسار الأساسي لتطور هذا النوع من السرطان.
ماذا أظهرت النتائج؟
أظهرت النتائج أن عدم وجود فروق جينية بين الخلايا السرطانية، بعد تحليل خصائصها ومادتها الوراثية، يدعم بقوة فرضية أن مريء باريت هو المصدر الرئيسي لنشوء سرطان المريء الغدي. ومع ذلك، لوحظ أن 35% فقط من المرضى لديهم دلائل واضحة على الإصابة بمريء باريت، بينما كانت فحوصات الباقين سلبية، خاصة في الحالات المتقدمة من السرطان.
في سعي لتفسير هذه الملاحظات، اكتشف الباحثون وجود بروتينات تعرف باسم TFF3 وREG4 في خلايا المريء لدى جميع المرضى، حتى قبل ظهور السرطان. يشير هذا إلى أن الأنسجة السرطانية قد التهمت خلايا باريت ودمرتها أثناء نموها. وبالتزامن مع تكاثر الخلايا السرطانية وانتشارها، تضاءلت خلايا باريت واختفت، مما يفسر عدم العثور عليها في الحالات المتقدمة من سرطان المريء الغدي.
وقد أكدت الدكتورة شهريار زماني، إحدى الباحثات الرئيسيات في الدراسة، أن سرطان المريء الغدي يتبع مساراً واحداً عبر خلايا باريت. وهذا يعني أن إحدى سبل الوقاية منه تتمثل في معالجة مريء باريت والتحكم فيه. كما توصلت الدراسة إلى توصية بالاعتماد على بروتينات TFF3 وREG4 كمؤشرات حيوية واعدة للتنبؤ باحتمالية الإصابة بسرطان المريء.
دراسات سابقة أكدت ودعمت
تأتي هذه الدراسة كاستكمال لبحوث سابقة سعت لفهم العلاقة الغامضة بين مريء باريت وزيادة خطر الإصابة بسرطان المريء الغدي. ففي عام 2021، نشرت البروفيسورة ريبيكا فيتزجيرالد وفريقها دراسة في مجلة “ساينس” كشفت عن سلسلة من التغيرات التي تمر بها الخلايا في الجزء العلوي من المعدة، المعروف بسُدفة المعدة. هذه التغيرات تحول الخلايا تدريجياً إلى ما يُعرف بخلايا باريت، والتي قد تبدأ في التكاثر السرطاني مسببة سرطان المريء الغدي.
لم تكشف دراسة 2021 عن سبب اختفاء الأدلة على مريء باريت قبل ظهور السرطان، لكنها أكدت دوره كوسيط رئيسي وحتمي في التحول إلى سرطان المريء الغدي. في تلك الدراسة، اعتمد الباحثون على تحليل عينات نسيجية من أسفل المريء باستخدام تقنيات متطورة. وأظهرت النتائج تشابهاً بين أنسجة المعدة وخلايا باريت، مما يشير إلى أن خلايا سرطان المريء الغدي تبدأ من خلايا معدية قبل أن تخضع لطفرات جينية تقودها لتحولات جذرية، متبنية هوية الخلايا المعوية.
ما هو مريء باريت ومدى انتشاره؟
يُعد مريء باريت حالة مرضية تصيب حوالي 0.8% من سكان العالم. تتميز هذه الحالة بتغير في بطانة المريء السفلية، حيث تظهر أنسجة مخاطية بلون وردي مائل للاحمرار تمتد لمسافة لا تقل عن سنتيمتر واحد قرب نقطة اتصال المريء بالمعدة. على الرغم من أن مريء باريت ليس سرطاناً بحد ذاته، إلا أن أقل من 5% من المصابين به قد تتطور حالتهم لتصبح سرطان المريء الغدي، مما يجعله ذا أهمية طبية كبيرة.
السبب الرئيسي: الارتجاع المزمن
يعتبر الارتجاع المعدي المريئي المزمن السبب الأهم للإصابة بمريء باريت، حيث يقف وراء نحو 15% إلى 20% من الحالات. عندما تتعرض خلايا المريء بشكل مستمر لأحماض المعدة، يحدث تهيج دائم يؤدي إلى تغير طبيعة هذه الخلايا، فتتحول إلى خلايا تشبه خلايا الأمعاء.
هل يمكن تجنب مريء باريت؟
على الرغم من وجود خيارات علاجية لمريء باريت، إلا أنه من الصعب تحديد الأكثر فعالية لغياب الأدلة الداعمة. ومع ذلك، فإن المؤشرات المتزايدة علمياً التي تعزز خطر تحول خلايا باريت إلى سرطان المريء الغدي، وتأكيد أن مريء باريت هو الخطوة الأولى، تستدعي فهماً للعوامل المسببة لهذه الحالة بهدف تجنبها وتقليل خطر الإصابة بسرطان المريء الغدي.
وفي سياق متصل، أشارت دراسة يابانية ضخمة نُشرت في مجلة “نيتشر” إلى ارتباط عدة عوامل بمريء باريت، منها الارتجاع المعدي المريئي، وفتق الحجاب الحاجز المريئي، ومرض الأوعية الطرفي، ومرض الكبد، وعدوى الجرثومة الحلزونية، والاستخدام طويل الأمد لأدوية تثبيط حمض المعدة. كما لوحظ ارتفاع معدل الإصابة بين الرجال والأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 50 و79 عاماً.
تُعد هذه النتائج خطوة هامة نحو فهم أعمق لآلية تطور سرطان المريء الغدي، مما يمهد الطريق لتطوير استراتيجيات كشف مبكر وعلاجات أكثر فعالية. ومع ذلك، لا تزال هناك حاجة لمزيد من الأبحاث لتأكيد هذه النتائج وتعميمها على مختلف المجتمعات.






