يشهد الاقتصاد الرقمي السعودي تحولاً عميقاً في طريقة إدارة الإنفاق الحكومي، ومن يتابع آخر أخبار الأسواق يجد أن أحد أبرز مؤشرات هذا التحول يتمثل في تجاوز حجم الإنفاق التراكمي عبر الاتفاقيات الإطارية الرقمية في المشتريات الحكومية 11 مليار ريال خلال العام الماضي، وفقاً لتقرير هيئة الحكومة الرقمية. رقم لا يعكس حجم الإنفاق فحسب، بل يكشف عن نموذج جديد لإدارة الطلب الحكومي بكفاءة أعلى وسرعة أكبر.

من إجراء متكرر إلى شراء استراتيجي

الاتفاقيات الإطارية الرقمية هي عقود مسبقة وموحدة بين الجهات الحكومية والموردين، تنظّم شراء الخدمات التقنية والحلول الرقمية بأسعار تنافسية، وتُحدد فيها المواصفات الفنية والأسعار والشروط ومستويات الخدمة مسبقاً. وبدلاً من أن تبدأ كل جهة إجراءات الشراء من نقطة الصفر عند كل احتياج، تستطيع إصدار أمر الشراء مباشرةً عبر السوق الإلكترونية وفق المنتجات والأسعار المعتمدة. وبحسب التقرير، بلغت نسبة المشتريات الرقمية المنفذة 70.83 في المائة، فيما تم تقليص دورة المشتريات بأكثر من 90 في المائة. وقد استحدث نظام المنافسات والمشتريات الحكومية هذا الأسلوب ضمن أساليب الشراء الحديثة بهدف تحقيق أفضل قيمة للمال العام.

أرقام تختصر حجم التحول

تكشف مؤشرات التقرير عن استخدام فعلي واسع للنموذج وليس مجرد وجود عقود غير مستفاد منها، ومن أبرز هذه الأرقام:

  • تجاوز الإنفاق التراكمي 11 مليار ريال خلال عام.
  • تنفيذ أكثر من 10 آلاف أمر شراء عبر الاتفاقيات الإطارية.
  • إتاحة أكثر من 100 ألف منتج وخدمة ضمن سوق موحدة.
  • تقليص دورة المشتريات بأكثر من 90 في المائة.

وتغطي هذه الاتفاقيات خدمات ومنتجات حيوية تشمل الحوسبة السحابية، وأجهزة تقنية المعلومات وملحقاتها، والطابعات والماسحات الضوئية والأحبار، إضافة إلى خدمات الإنترنت والدوائر الرقمية والاتصالات والهواتف ومنتجات مايكروسوفت. وهي ليست احتياجات مساندة فحسب، بل جزء من البنية التشغيلية التي تعتمد عليها المنصات والخدمات الحكومية الرقمية؛ ففي الحوسبة السحابية مثلاً، يتيح الشراء ضمن مواصفات موحدة الحصول على موارد التخزين والمعالجة والنسخ الاحتياطي بحسب الحاجة.

القيمة الاقتصادية للنموذج

تكمن القيمة الاقتصادية في القدرة على إدارة الطلب الحكومي بصورة أكثر تنظيماً؛ فعندما تتوحد المواصفات ويجتمع الاحتياج المتكرر ضمن اتفاقية واحدة، تصبح المشتريات أكثر وضوحاً وقابلية للتخطيط، وتتراجع الحاجة إلى تكرار إعداد وثائق المنافسات ودراسة العروض والتفاوض على الشروط ذاتها في كل مرة. كما يساعد توحيد الأسعار والمواصفات على الحد من تفاوت التكلفة بين جهة وأخرى.

ولا تقتصر الكفاءة على سرعة إصدار أمر الشراء، بل تمتد إلى تحسين متابعة أداء الموردين ورفع مستوى الالتزام بمعايير موحدة. أما تقليص دورة المشتريات بأكثر من 90 في المائة، فيمثل قيمة تشغيلية مباشرة، إذ إن التأخير في توفير البنية التحتية أو البرامج أو خدمات الاتصال قد يؤثر في مواعيد تنفيذ المشروعات واستمرارية الأنظمة وجودة الخدمات الحكومية، ما يجعل اختصار الدورة تمكيناً للجهات من الاستجابة للمتغيرات التقنية في الوقت المناسب.

مساحة أوسع للمنافسة

تسهم الاتفاقيات الإطارية كذلك في زيادة مشاركة القطاع الخاص، عبر إتاحة سوق واضحة للموردين المؤهلين تقوم على متطلبات فنية وشروط معلنة وأسعار محددة. وهذا يمنح الشركات التقنية رؤية أوضح لطبيعة الطلب الحكومي، ويساعدها على تطوير منتجاتها ورفع جاهزيتها، كما يخلق بيئة تنافسية ترتبط بجودة الخدمة والقدرة على تلبية الاحتياجات. وفي المقابل، تستفيد الجهات الحكومية من تعدد الخيارات ضمن إطار تعاقدي موحد. وتتقاطع هذه التطورات مع ما ترصده الصفحات الاقتصادية من تحولات في كفاءة الإنفاق العام ودعم التحول الرقمي.

تحول في فلسفة الشراء الحكومي

يمثل هذا النموذج تحولاً في فلسفة إدارة المشتريات؛ إذ أصبحت الجهات الحكومية قادرة على تحويل احتياجاتها التقنية إلى أوامر شراء مباشرة ضمن نطاقات محددة مسبقاً، بدلاً من إعادة طرح المنافسة في كل مرة. وهذا يختصر مراحل إدارية وفنية متعددة، ويمنح فرق المشتريات والتقنية وقتاً أكبر للتركيز على جودة الحلول وملاءمتها للأعمال الحكومية، بدل الانشغال بإجراءات متكررة. كما يحد النموذج من تفاوت التكلفة بين جهة وأخرى، ويرفع القدرة على متابعة أداء الموردين والالتزام بمعايير موحدة عند تقديم المنتجات والخدمات.

وتتضح القيمة أكثر في المشروعات التقنية الحساسة للتوقيت؛ فتأخر توفير خدمة اتصال أو تخزين سحابي أو أجهزة مناسبة قد ينعكس مباشرة على استمرارية الأنظمة وجاهزية الخدمة الحكومية. ومن هذا المنطلق، لا يمثل اختصار دورة الشراء تحسيناً إجرائياً فحسب، بل تمكيناً للجهات من الاستجابة للمتطلبات التشغيلية والمتغيرات التقنية في الوقت المناسب. ويعكس تجاوز عدد أوامر الشراء عشرة آلاف أمر أن النموذج انتقل من مرحلة التجريب إلى الاستخدام الفعلي الواسع في تلبية الاحتياجات الحكومية.

في الختام

يمثل نموذج الاتفاقيات الإطارية الرقمية نقلة من سلسلة طويلة من الإجراءات المنفصلة إلى عملية أكثر وضوحاً وسرعة، تخدم كفاءة الإنفاق العام وجاهزية الخدمات الحكومية. والنصيحة العملية لأي جهة تسعى إلى رفع كفاءتها: ابدأ بتوحيد المواصفات وتجميع الاحتياجات المتكررة قبل التفكير في خفض التكلفة. فهل تتوسع هذه التجربة لتشمل قطاعات جديدة خارج نطاق التقنية؟

شاركها.