يكتشف الباحثون طرقاً جديدة للكشف المبكر عن مرض السكري، وهو تطور رئيسي قد يغير النهج الحالي لتشخيص هذا المرض المزمن. لفترة طويلة، اعتمد تشخيص مرض السكري بشكل أساسي على قياس مستويات السكر في الدم وتجاوز عتبات سريرية محددة. ومع ذلك، يتزايد قلق العلماء من أن هذا النهج التقليدي قد يفوت الملايين الذين يتقدمون بالفعل نحو الإصابة بالمرض دون علمهم.

يمثل مرض السكري أحد الأزمات الصحية الكبرى في العصر الحديث. تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن 14% من البالغين كانوا يعيشون مع مرض السكري في عام 2022، ارتفاعاً من 7% في عام 1990. وفي الولايات المتحدة، يعاني أكثر من 40 مليون شخص من مرض السكري، لكن حوالي 11 مليون لا يزالون غير مشخصين. بالإضافة إلى ذلك، يُقدر أن أكثر من 115 مليون أمريكي يعانون من مرحلة ما قبل السكري، وحوالي 80% منهم لا يدركون ذلك. وفي المملكة المتحدة، يعيش حوالي 5.8 مليون شخص مع مرض السكري، ويُعتقد أن ما يصل إلى 1.3 مليون حالة غير مشخصة.

القصور في التشخيص التقليدي لمرض السكري

يؤكد خبراء على خطورة الوضع، حيث يصف البروفيسور مايكل سنايدر، أستاذ علم الوراثة في جامعة ستانفورد، الوضع بأنه “وباء أسوأ بكثير من جائحة كوفيد”، مشدداً على الحاجة الملحة لطرق جديدة لمواجهة هذا التحدي.

الخطر لا يكمن فقط في مرض السكري نفسه، بل في الأضرار الخفية التي تتراكم لسنوات قبل التشخيص. ارتفاع مستويات السكر في الدم بشكل مستمر يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب، السكتة الدماغية، الفشل الكلوي، العمى، وتلف الأعصاب. وكلما كان الكشف عن المرض مبكراً، زادت فرصة منع هذه المضاعفات أو تجنب الإصابة بمرض السكري تماماً.

لا يزال التشخيص يعتمد بشكل كبير على قياس مستويات الجلوكوز في الدم، وغالباً ما يتم ذلك باستخدام اختبار الهيموجلوبين السكري (HbA1c)، الذي يقدر متوسط ​​مستوى السكر في الدم على مدى الأشهر القليلة الماضية. وعلى الرغم من انتشاره وموثوقيته بشكل عام، إلا أنه ليس خالياً من العيوب. فالنتائج قد لا تعكس بعض الحالات الطبية أو العوامل الفسيولوجية التي يمكن أن تؤثر على مستويات السكر في الدم.

يزداد قلق الباحثين من أن أدوات التشخيص الحالية أقل فعالية لدى بعض المجموعات السكانية. وتشير دراسات حديثة إلى أن اختبار HbA1c قد يعطي قراءات منخفضة بشكل خاطئ لدى بعض الأشخاص من أصول أفريقية وجنوب آسيوية، مما يؤخر التشخيص حتى مرحلة متقدمة من المرض.

النهج الجديد: التكنولوجيا والبيانات للكشف المبكر

هذا التباين دفع إلى اهتمام متزايد بالنهج الأكثر تخصيصاً والغنية بالبيانات للكشف عن مرض السكري. تسعى هذه الأساليب إلى الجمع بين المؤشرات الحيوية، الأجهزة القابلة للارتداء، والذكاء الاصطناعي لتحديد المخاطر في وقت مبكر وفهم المرض بتفاصيل أعمق.

في جامعة ستانفورد، يستكشف سنايدر وزملاؤه ما إذا كانت أجهزة المراقبة المستمرة للجلوكوز (CGMs) – وهي مستشعرات قابلة للارتداء تتتبع مستويات الجلوكوز في الوقت الفعلي – يمكن أن تكشف عن أنماط التمثيل الغذائي الخفية قبل وقت طويل من التشخيص التقليدي لمرض السكري من النوع الثاني، الذي يمثل حوالي 95% من الحالات. وعلى الرغم من ارتباطه غالباً بالسمنة، والتي تعد عامل خطر مهماً، إلا أن الأشخاص ذوي الأوزان الطبيعية يمكن أن يصابوا أيضاً بمرض السكري من النوع الثاني. ولقد أصيب سنايدر نفسه بمرض السكري من النوع الثاني على الرغم من عدم مطابقته للملف الشخصي النمطي للمرض.

يشرح سنايدر أن “تنظيم الجلوكوز يشمل العديد من أنظمة الأعضاء: الكبد، العضلات، الأمعاء، البنكرياس، وحتى الدماغ. هناك الكثير من المسارات الكيميائية الحيوية، ومن المنطقي أن اختلال تنظيم الجلوكوز قد لا يقتصر على جانب واحد فقط.”

طور فريق ستانفورد خوارزمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي تحلل الأنماط في بيانات أجهزة المراقبة المستمرة للجلوكوز لتحديد أشكال مختلفة من مرض السكري من النوع الثاني. وفي الاختبارات، حدد النظام بعض هذه الأنماط بدقة تصل إلى حوالي 90%.

يعتقد الباحثون أن هذه النتائج يمكن أن تساعد في تحديد الأشخاص الذين يطورون بالفعل مشاكل في التمثيل الغذائي قبل وقت طويل من التشخيص التقليدي لمرض السكري. ويقول سنايدر: “إنها أداة يمكن للأشخاص استخدامها لاتخاذ إجراءات وقائية. فإذا أدت المستويات إلى تحذير بمرحلة ما قبل السكري، يمكن تعديل عادات النظام الغذائي أو ممارسة الرياضة، على سبيل المثال.”

تصبح أجهزة المراقبة المستمرة للجلوكوز أيضاً أرخص وأكثر سهولة، حيث أصبح العديد منها متاحاً للشراء دون وصفة طبية في الولايات المتحدة. ويعتقد سنايدر أنها قد تصبح في النهاية جزءاً من الرعاية الصحية الوقائية الروتينية. “في عالم مثالي، سيرتديها الناس مرة واحدة سنوياً. هدفنا هو الحفاظ على صحة الناس بدلاً من محاولة إصلاحهم لاحقاً.”

يبقى السؤال الرئيسي حول كيفية دمج هذه التقنيات الجديدة في الممارسة السريرية الروتينية، والتحديات التنظيمية والاقتصادية المحتملة. ومن المتوقع أن تستمر الأبحاث في التركيز على التحقق من فعالية هذه الأساليب على نطاق أوسع، وتقييم قدرتها على تحسين نتائج المرضى وتقليل عبء مرض السكري على مستوى العالم.

شاركها.