مستقبل الموسيقى تحت تهديد الذكاء الاصطناعي: حفلة موسيقية وهمية لفريق “ستيك فيغور”

في عصر يتسارع فيه انتشار التقنيات الجديدة، يجد فنانو الموسيقى أنفسهم في مواجهة تحديات غير مسبوقة. مؤخرًا، شهدت فرقة “ستيك فيغور” (Stick Figure) الريغي الشهيرة، الموجودة في كاليفورنيا، صيتاً واسعاً لأغنيتها القديمة “Angels Above Me”، لكن ليس بالطريقة التي اعتادت عليها. فقد انتشرت أغنيتهم، التي مضى عليها ست سنوات، بشكل فيروسي على منصات الموسيقى العالمية، محتلةً المرتبة الأولى في ست دول مختلفة على iTunes، من المملكة المتحدة إلى كندا والنمسا. هذا الصعود المفاجئ، الذي وصفه مغني الفرقة عازف الجيتار سكوت وودروف بأنه “لا يأتي من فراغ”، كشف عن جانب مظلم في صناعة الموسيقى الحديثة، حيث تتشابك الإبداعات الفنية المشروعة مع المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي.

تمتلك فرقة “ستيك فيغور” سجلاً حافلاً بالإنجازات، بما في ذلك احتلال ألبوماتها للمراتب الأولى في فئة الريغي، وحصول أغانيها على مئات الملايين من مرات الاستماع. ومع ذلك، فإن سرعة انتشار أغنية “Angels Above Me” بهذا الشكل، وتحولها من أغنية نائمة إلى نجاح مدوٍ في غضون أيام، كان أمراً جديداً على الفرقة. بدأ المستمعون، وخاصة على منصات مثل TikTok، في نشر مقاطع فيديو لهذه الأغنية والتعبير عن إعجابهم الشديد بها. “كان الأمر مثيراً,” قال وودروف. “ولكن عندما اكتشفت أن السبب يعود إلى نسخة تم استنساخها بشكل أساسي وتوليدها بنقرة واحدة، شعرت بالأسف.”

الذئاب الرقمية: كيف يسرق الذكاء الاصطناعي ألحان الفنانين

تتكشف أمام فرقة “ستيك فيغور” معضلة موسيقى حديثة ومعقدة: أن لديهم أغنية ناجحة، ولكن معظم الاستماعات والانتباه يتركزان على أعمال إعادة مزج غير مصرح بها، والتي يشتبه الفريق في أنها تم إنشاؤها بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي. وقد حقق أحد هذه الإصدارات المعاد مزجها أكثر من 1.8 مليون استماع على YouTube في خمسة أيام فقط. “في الوقت الحالي، هناك أربع نسخ مختلفة تنتشر بشكل فيروسي,” صرّح وودروف، مؤكداً أنه لا يحصل على أي عائدات مالية من أي منها.

تعمل شركة الإنتاج الموسيقي الخاصة بالفرقة، Ineffable Records، جاهدة لإزالة هذه الأعمال المشوّهة، ولكنها تواجه صعوبات متزايدة. على مدار الأسبوع الماضي، ومع انتشار أعمال إعادة المزج، أرسل فريق “ستيك فيغور” بشكل محموم إشعارات حقوق الطبع والنشر وتواصل مع جميع خدمات البث الموسيقي الكبرى، بل وتواصلوا مع أصحاب الحسابات الفردية التي تنشر هذه الأعمال. وقد تم بالفعل إزالة بعض هذه المقاطع؛ حيث قامت Spotify بإزالة جميع الأغاني المطلوبة، وتمت إزالة الفيديو الفيروسي على YouTube أيضًا. ومع ذلك، لا تزال بعض الأعمال الأخرى موجودة. عند اتصال فريق الفرقة بأحد مروجي هذه الإصدارات، أصر على أن الأغنية كانت “إعادة تغطية” (cover) وعرض مشاركة بعض العائدات، لكن فريق “ستيك فيغور” يعتبر هذه الأعمال إعادة مزج (remixes) لا تنسب الفضل أو تعوّض الفرقة بشكل صحيح. “إنها أشبه بلعبة ‘ضرب الخلد’,” كما وصفها آدم غروس، رئيس شركة Ineffable Records.

انتشار الذكاء الاصطناعي في صناعة الموسيقى: أرقام مقلقة

على مدى السنوات القليلة الماضية، شهدت صناعة الموسيقى موجة متزايدة من الموسيقى التي تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي، مما أثار قلق الفنانين والشركات على حد سواء. وفقًا لخدمة البث الفرنسية Deezer، شهدت المنصة زيادة في عدد أغاني الذكاء الاصطناعي المكتشفة يوميًا من 18% في عام 2025 إلى 44% في عام 2026، أي ما يعادل أكثر من مليوني مقطوعة شهريًا. وتقدر Deezer أن 85% من هذه المقطوعات هي أعمال احتيالية، تم إنشاؤها خصيصًا لسحب العائدات. في الوقت نفسه، توجد شركات تقدم أدوات لإعادة مزج الأغاني بالذكاء الاصطناعي، مما يسهل إنتاج نسخ زائفة من الأغاني بكميات هائلة.

التاريخ يعيد نفسه: دروس من الماضي في مواجهة التحدي الرقمي

لم يعد موضوع إعادة المزج غير المصرح به ظاهرة جديدة كلياً. في أوائل الألفية الثانية، وعندما انفجرت شعبية “الما ش أبس” (mashups)، واجه الفنانون صعوبة في التعامل مع الإصدارات غير المصرح بها لأعمالهم، مثلما حدث عندما اضطر فريق البيتلز وجاي زي إلى اتخاذ قرار بشأن “الألبوم الرمادي” (Grey Album) لـ Danger Mouse، الذي دمج بين ألبومين لهما. أصدرت شركة EMI، مالكة التسجيلات الصوتية للبيتلز، إنذارات بالكف عن أي استخدام غير قانوني، مما حوّل الألبوم، الذي كان غير شرعي تقنيًا، إلى ظاهرة تحت الأرض. “في عصر TikTok، نرى باستمرار أغاني تصبح رائجة، ولا علاقة لذلك بالفنان، أو تكون عبارة عن إعادة مزج لم يقم بها الفنان نفسه,” يقول كريس دالا ريفا، محلل بيانات وموسيقي.

يرى دالا ريفا أن ما حدث مع أغنية الفنان آر آند بي (R&B) ستيف لاسي عام 2022، “Bad Habit”، كان مؤشرًا واضحًا على المأزق الذي تواجهه فرقة “ستيك فيغور”. كانت الأغنية بالفعل ناجحة، ثم بدأ الناس في تحميل نسخ متسارعة تمت إعادة مزجها على TikTok. أثبتت هذه الإصدارات غير المصرح بها، التي تتميز بصوت مكرر، شعبيتها الكبيرة لدرجة أن شركة الإنتاج الخاصة بـ لاسي أقنعته بإصدار أغنية رسمية للاستفادة من هذا التوجه.

ما هو التالي؟ مستقبل الحقوق الفنية في ظل ثورة الذكاء الاصطناعي

تواصل فرقتا “ستيك فيغور” وIneffable Records جهودهما لمكافحة هذه الظاهرة، مدعومةً بآخر التطورات في قوانين حقوق الطبع والنشر والإجراءات القانونية المتاحة. يبقى التحدي الأكبر هو سرعة انتشار المحتوى الرقمي المعزز بالذكاء الاصطناعي، مما يجعل مواكبة وتتبع كل محتوى وانتهاك عملية شاقة. تتطلب هذه المعركة حلاً تقنياً وقانونياً شاملاً، قد يشمل تطوير أدوات أكثر فعالية للكشف عن المحتوى المولّد اصطناعياً، ووضع لوائح صارمة تنظم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الموسيقى. بينما تنتظر الصناعة خطوات تنظيمية وشركات تكنولوجيا تتصدى لهذه المشكلة، فإن الفنانين مثل “ستيك فيغور” سيستمرون في الكفاح لحماية أعمالهم وإبداعاتهم من أي شكل من أشكال الاستغلال.

شاركها.