في ظل تصاعد التوترات الإقليمية التي تكشف عن ضعف حرج في نظام الطاقة العالمي، يكتسب اقتراح جديد مدعوم من الولايات المتحدة لبناء شبكة من خطوط أنابيب الطاقة البرية لتجاوز مضيق هرمز اهتمامًا متزايدًا. يهدف هذا المفهوم، المعروف باسم “ARAM Express”، إلى إنشاء مسارات تصدير متعددة للنفط والغاز والبتروكيماويات، مما يقلل الاعتماد على الممر المائي الحيوي الذي يمر عبره ما يقرب من ثلث النفط العالمي المنقول بحرًا.
كشف تقرير لشبكة فوكس نيوز عن تفاصيل خطة “ARAM Express”، وهي مبادرة مقترحة بين الولايات المتحدة وشركاء خليجيين لتطوير شبكة خطوط أنابيب متعددة الاتجاهات. تمتد هذه الشبكة عبر البر لتصل إلى البحر الأحمر والمتوسط غربًا، وكذلك إلى بحر العرب جنوبًا، مما يوفر بدائل استراتيجية في حال حدوث أي اضطرابات في مضيق هرمز.
شبكة “ARAM Express” كبديل استراتيجي لمضيق هرمز
تعتمد الخطة على مشاركة دولية واسعة، حيث تستثمر المشترون الأوروبيون والآسيويون في البنية التحتية ويؤمنون اتفاقيات توريد طويلة الأجل. يرى ديفيد غولدبرغ، من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، أن المشترين الأوروبيين متعطشون لمرونة التوريد على المدى الطويل، والعملاء الآسيويون يتعرضون للخطر بنفس القدر. وأشار إلى أن الصين نفسها لا يمكنها تحمل مخاطر اضطراب مستمر في تدفقات الطاقة.
تأتي هذه المبادرة في وقت تثير فيه تهديدات إيران للشحن التجاري والجهود الأمريكية لتأمين الممر المائي تحت مسمى “مشروع الحرية” (Project Freedom) مخاوف بشأن المخاطر التي يشكلها هذا المعبر الوحيد على تدفقات الطاقة العالمية. يبلغ حجم النفط المنقول بحرًا عبر مضيق هرمز حوالي الثلث من إجمالي الإنتاج العالمي، مما يجعله شريانًا حيويًا للأسواق العالمية. وصرحت متحدثة باسم البيت الأبيض، تايلور روجرز، بأن الرئيس لن يسمح لإيران بابتزاز الاقتصاد العالمي وتقويض حرية تدفق الطاقة.
يتوافق هذا التوجه مع رؤية متزايدة لدى المسؤولين والمحللين الأمريكيين بأن الخطر ليس فوريًا فحسب، بل هيكلي أيضًا. أشار السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، إلى أن شركاء واشنطن ينظرون بالفعل إلى ما هو أبعد من المضيق نفسه.
قال والتز لشبكة فوكس نيوز ديجيتال: “أعلم أن شركاءنا وحلفاءنا في الخليج يفكرون جديًا في ذلك”. وأضاف: “أعلم أنهم يبحثون عن بدائل إضافية لتنويع مساراتهم وتنويع اقتصاداتهم”.
ضعف مضيق هرمز: مشكلة متجذرة
لم تكن فكرة أن مضيق هرمز يمثل ضعفًا هيكليًا جديدة، ولكن حتى الآن، تم التسامح مع الوضع، حيث اعتمدت الأسواق العالمية على الاستقرار في الخليج للحفاظ على تدفق الطاقة. هذا الافتراض يتعرض لضغوط الآن.
حتى مع نشر القوة البحرية الأمريكية لتأمين الممر المائي، فقد أبرزت الأزمة الحالية مدى سرعة انتشار الاضطرابات، أو حتى مجرد التهديد بها، في سلاسل التوريد العالمية. يؤكد ريتش غولدبرغ من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات أن “هذه ليست مجرد فكرة طويلة الأمد بعد الآن. هناك تهديد حقيقي لمضيق هرمز لن يزول طالما ظل النظام في طهران قائمًا”.
السعودية: بناء منظومة تتجاوز المخاطر
تبرز المملكة العربية السعودية كدولة في الخليج استثمرت بشكل كبير لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز. يسمح خط أنابيب “الشرق-الغرب” الخاص بها بنقل النفط الخام من حقول الشرق إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، متجاوزًا المضيق بالكامل. من هناك، يمكن شحن النفط إلى أوروبا وأفريقيا وآسيا دون المرور عبر نقطة الاختناق.
صرح سلمان الأنصاري، محلل جيوسياسي سعودي، بأن “المملكة العربية السعودية تعاملت مع خطر مضيق هرمز بالتخطيط، وليس بالذعر”. ووصف خط أنابيب “الشرق-الغرب” بأنه “تأمين استراتيجي”. وأضاف: “إغلاق مضيق هرمز سيكون مزعجًا، ولكنه لن يكون مسببًا للشلل. لقد أمضت المملكة العربية السعودية سنوات في الحد من هذا الضعف، واليوم هي في وضع فريد لاستيعاب الصدمات والحفاظ على تدفقات الطاقة العالمية”.
جادل الأنصاري بأن استراتيجية المملكة تتجاوز تصدير الطاقة، حيث تضع البلاد كمركز لوجستي أوسع. وأوضح أن “الموانئ وخطوط الأنابيب والجسور البرية ومناطق التخزين والوصول إلى البحر الأحمر كلها جزء من بنية طوارئ سعودية واحدة”.
الإمارات وتفتت النموذج الخليجي
لا تقتصر جهود التكيف على المملكة العربية السعودية. فقد طورت دولة الإمارات العربية المتحدة أيضًا قدرة تصدير بديلة من خلال خط أنابيبها إلى الفجيرة، الواقعة خارج مضيق هرمز.
في الوقت نفسه، يرى بعض المحللين أن الديناميكيات الإقليمية الأخيرة تشير إلى تحول أعمق، يتجاوز البنية التحتية ليشمل الهيكل السياسي للخليج نفسه. يقول يوناتان أديري، رجل أعمال إسرائيلي ومستشار سابق للرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيريز، إن النموذج التقليدي لنظام طاقة خليجي موحد يتمحور حول مضيق هرمز بدأ في الانهيار.
وأشار إلى “الترتيب بأكمله… بدأ ينتهي”، في إشارة إلى الاعتماد طويل الأمد على المضيق كشريان رئيسي لصادرات الخليج. وأشار إلى التحالفات والشراكات الاقتصادية والجيوسياسية الناشئة التي تعمل على تفتيت البنية التحتية التقليدية للطاقة في المنطقة.
ويرى أديري أن هذه التغييرات مدفوعة بالمنافسة العالمية الأوسع، لا سيما الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة وشركاؤها لمواجهة مبادرة الحزام والطريق الصينية. ووصف التحول نحو مسارات متنوعة تقلل الاعتماد على نقاط الاختناق الوحيدة بأن “النظام بأكمله يُعاد التفكير فيه”.
تفاوت المكشوفية بين دول الخليج
على الرغم من هذه التطورات، فإن استعداد دول الخليج لهذا السيناريو يتفاوت. أشار غولدبرغ إلى دول مثل الكويت تقع في “عالم من الألم” بسبب افتقارها إلى بدائل ذات مغزى للصادرات البحرية.
تظل قطر، إحدى أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال في العالم، معتمدة بشكل كبير على المضيق، مع خيارات محدودة لإعادة توجيه الإمدادات في حال اضطراب الشحن. يمكن لهذا التفاوت في المكشوفية أن يعيد تشكيل الديناميكيات الإقليمية، مما يمنح الدول التي لديها طرق بديلة قدرة أكبر على الصمود ونفوذًا في الأزمات المستقبلية.
قيود سياسية وأسئلة طويلة الأمد
في حين أن الجدوى الفنية للطرق البديلة تزداد قوة، إلا أن القيود السياسية لا تزال قائمة. تتمثل إحدى القضايا الأكثر حساسية في ما إذا كانت الممرات المستقبلية يمكن أن تشمل إسرائيل، حتى بشكل غير مباشر.
قال الأنصاري: “بالنسبة للطرق التي تشمل إسرائيل، حتى بشكل غير مباشر، فإن السياسة صعبة للغاية في ظل الظروف الحالية. أنا حقًا لا أرى ذلك يحدث الآن”. ومع ذلك، فقد أشار إلى أن مثل هذا التعاون قد يصبح أكثر واقعية في المستقبل في ظل ظروف سياسية مختلفة.
نظام في مرحلة انتقالية
في الوقت الحالي، يظل تركيز الولايات المتحدة وحلفائها على استقرار الوضع الفوري في مضيق هرمز، وضمان مرور السفن بأمان واستمرار عمل الأسواق العالمية. ولكن مع استمرار التوترات، تجبر الأزمة الحالية على إعادة تقييم أوسع.
لم يعد السؤال هو كيفية تأمين المضيق فحسب، بل ما إذا كان نظام الطاقة العالمي يمكنه تحمل الاعتماد عليه بنفس القدر الذي كان عليه لعقود. يجادل الخبراء بأنه إذا استمر المسار الحالي، فقد يظل مضيق هرمز حاسمًا، ولكنه لن يكون مهيمنًا بعد الآن، حيث تستثمر البلدان في طرق جديدة وشراكات جديدة وخريطة طاقة أكثر تنوعًا.






