تشهد ألمانيا تصاعداً حاداً في معاداة السامية، حيث تحذر الجهات الرسمية من استغلال شبكات متطرفة، تتراوح بين الإسلاميين والمتطرفين اليساريين، للحرب في الشرق الأوسط لنشر خطابات معادية لليهود وتعبئة المؤيدين للمساهمة في المضايقات والعنف ضد المجتمعات اليهودية. تستخدم هذه الجماعات الحرب بين إسرائيل وحماس والتوترات الإقليمية الأوسع كذريعة لتضخيم الروايات المعادية للسامية، بما في ذلك اتهامات بـ “الإبادة الجماعية” في غزة وتصوير إسرائيل كدولة استعمارية، وهي لغة تستخدم لتبرير العداء، وفي بعض الحالات، العنف ضد اليهود، وفقاً لدراسة أجراها مكتب الولاية الدستوري في هيسن.
حذر وزير الداخلية الألماني رومان بوزيك من تصاعد هذا الاتجاه، مؤكداً في بيان أن “معاداة السامية هي أحد أكبر التهديدات للتماسك الاجتماعي لدينا – خاصة من الطيف الإسلامي والمتطرف اليساري”. وتثير هذه التطورات مخاوف أوسع تتجاوز ألمانيا، حيث يحذر المسؤولون والزعماء اليهود من أن أنماطاً مماثلة من الخطاب المعادي للسامية المرتبط بالصراعات في الشرق الأوسط تظهر في الديمقراطيات الغربية، بما في ذلك الولايات المتحدة. ونظراً لأن ألمانيا غالباً ما تُعتبر مؤشراً بسبب تاريخها وإطارها القانوني المتعلق بخطاب الكراهية، فإن هذه النتائج تُعتبر علامة تحذير لكيفية انتقال الروايات المتطرفة من الهوامش إلى الخطاب السائد.
تزايد معاداة السامية في ألمانيا: أسباب وتداعيات
أكد بوزيك، الذي كلف مكتب الولاية الدستوري في هيسن بإعداد التقرير، على تدهور المناخ الاجتماعي، مشيراً إلى أن “المشاعر المعادية للسامية أصبحت لا تطاق بشكل متزايد، حتى في الأماكن العامة”. وأعرب عن “خجله العميق مما يتعين على اليهود تحمله في ألمانيا بعد 80 عاماً من نهاية الحرب العالمية الثانية”، مشدداً على أن “الألمان، على وجه الخصوص، يتحملون مسؤولية دائمة لعدم نسيان ما حدث أبداً”.
كشف تقرير جديد على مستوى البلاد صادر عن المجلس المركزي لليهود في ألمانيا أن 46 من أصل 102 جالية يهودية تم استقصاؤها أبلغت عن حوادث معادية للسامية، مما يسلط الضوء على النطاق المتزايد للتهديد. ومن بين أكثر الحوادث شيوعاً التي تم تحديدها في مسح المجلس المركزي كانت الإساءات اللفظية، والمكالمات الهاتفية التهديدية، والتخريب، والكتابات المعادية للسامية على الجدران. وأفاد 68% من المشاركين بأنهم يشعرون بأمان أقل للعيش في ألمانيا منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023 بقيادة حماس على إسرائيل.
فيما يتعلق بتصاعد معاداة السامية، صرح رئيس المجلس المركزي، يوسف شوستر، في بيان صحفي: “بعد الارتفاع المتفجر في معاداة السامية بعد 7 أكتوبر، ظهر ‘وضع طبيعي جديد’. وهو وضع تحتاج فيه المجتمعات اليهودية إلى حماية مستمرة وأصبحت معاداة السامية أمراً طبيعياً كجزء من المجال العام”.
كما وجد التقرير أن التطورات الجيوسياسية الأوسع تستمر في التأثير بشكل مباشر على المجتمعات اليهودية في ألمانيا. أفاد 62% من المشاركين بأن شعورهم بانعدام الأمان ازداد سوءاً بعد الحرب الأخيرة التي شملت إيران، بينما قال ثلثاهم إن وقف إطلاق النار في غزة لم يحسن سلامتهم.
التأثير على الحياة اليومية للشعور بالأمان
يقول قادة يهود إن العواقب محسوسة في الحياة اليومية. أصبح العديد من اليهود يتجنبون بشكل متزايد مظاهر هويتهم المرئية، مثل ارتداء نجمة داود أو القلنسوة اليهودية (الكيباه)، وسط مخاوف من المضايقات. وفي بعض الحالات، ألغت المجتمعات فعاليات بسبب مخاوف أمنية.
في الوقت نفسه، يسلط التقرير الضوء على انخفاض حاد في الدعم المجتمعي المتصور. أفادت 35% فقط من المجتمعات بأنها تشعر بالتضامن من المجتمع المدني الأوسع، بانخفاض من 62% في عام 2023. ويشير المسؤولون إلى أن تطبيع مثل هذه الخطابات يغير حدود الخطاب العام المقبول.
وتؤكد هذه النتائج المخاوف المتزايدة من أن معاداة السامية، التي كانت تُعتبر في السابق محصورة في الهوامش، أصبحت أكثر وضوحاً في الحياة العامة، مما يجعل المجتمعات اليهودية تشعر بالعزلة والتهديد المتزايد. وتتجه الأنظار الآن إلى الإجراءات التي قد تتخذها الحكومة الألمانية لمواجهة هذه الظاهرة، ومدى فعاليتها في استعادة شعور الأمن للمواطنين اليهود.






