أصبح الاستقطاب السياسي والاجتماعي ظاهرة متزايدة في جميع أنحاء العالم، وتلعب منصات التواصل الرقمي دورًا رئيسيًا في هذا التحول. لم تعد هذه المنصات مجرد أدوات للتواصل، بل أصبحت مصادر رئيسية للأخبار والمعلومات، مما أدى إلى تغييرات عميقة في طريقة استيعابنا للأحداث وتشكيل آرائنا، وربما إلى تفكك النقاش العام البناء.
تُظهر التقارير الحديثة، مثل تقرير “Digital News Report 2025″، تحولًا ملحوظًا نحو المنصات الرقمية، لا سيما بين الشباب. ففي حين لا تزال فيسبوك ويوتيوب تحظى بشعبية واسعة، إلا أن منصات مثل تيك توك وواتساب تشهد نموًا سريعًا في استخدامها كمصادر للأخبار، مما يعكس تغيرًا في سلوك استهلاك المعلومات. تأتي هذه التغييرات مع تحديات جديدة تتعلق بمصداقية المعلومات وتأثيرها على الرأي العام.
تأثير إلغاء الوساطة في الاستقطاب الرقمي
يرى محللون أن أحد أهم العوامل المساهمة في هذا الاستقطاب هو ما يعرف بـ “إلغاء الوساطة” (Disintermediation). ففي السابق، كانت المؤسسات الإعلامية التقليدية تلعب دور الوسيط بين الأحداث والجمهور، حيث تتولى مسؤولية جمع الحقائق والتحقق منها وتقديمها بطريقة متوازنة. أما الآن، ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح كل فرد قادرًا على أن يكون “منصة إعلامية” خاصة به، حيث ينشر ويشارك المعلومات كما يراها.
هذا التحول له جوانب إيجابية، مثل تمكين الأصوات المهمشة وتوفير مساحة للتعبير عن الآراء المختلفة. لكن في الوقت نفسه، فإنه يزيد من خطر انتشار المعلومات المضللة والأخبار الكاذبة، ويساهم في تشكيل ما يُعرف بـ “غرف الصدى” (Echo Chambers)، حيث يتعرض الأفراد فقط للمعلومات التي تؤكد معتقداتهم المسبقة.
الخوارزميات ودورها في تعزيز الاستقطاب
على الرغم من أن الاستقطاب ليس نتيجة مباشرة لخوارزميات منصات التواصل الاجتماعي، إلا أن هذه الخوارزميات تلعب دورًا في تفاقمه. فهي مصممة لتقديم المحتوى الذي من المرجح أن يثير اهتمام المستخدم، مما يعني أنها غالبًا ما تعرض عليه معلومات تتوافق مع آرائه الحالية. هذه العملية، وإن كانت تهدف إلى تحسين تجربة المستخدم، يمكن أن تؤدي إلى عزله عن وجهات النظر المختلفة.
ينبه خبراء إلى أن طبيعة التفاعل على هذه المنصات – القائمة على الاستجابات العاطفية السريعة مثل الإعجاب والمشاركة – تشجع على انتشار المحتوى المثير للجدل والممول بالانفعال. فالمحتوى الذي يثير الغضب أو الصدمة غالبًا ما يحصل على تفاعل أكبر، مما يؤدي إلى ظهوره بشكل أكبر في خلاصات المستخدمين، وبالتالي تعزيز تأثيره.
يؤكد مراقبون أن فقدان القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ يعد من أخطر نتائج هذا التحول. فمع تزايد كمية المعلومات المتاحة، يصبح من الصعب على الأفراد التحقق من مصداقيتها وتقييمها بشكل موضوعي، مما يجعلهم أكثر عرضة لتصديق القصص الجاهزة والمعلومات المضللة. هذه الظاهرة تمثل تهديدًا للعملية الديمقراطية وقدرة المواطنين على اتخاذ قرارات مستنيرة.
تشير بعض الآراء، كما عبر عنها مصدر في فنزويلا، إلى أن المنصات الرقمية يمكن أن تكون أيضًا فضاءً للمقاومة والحلول، ولكن ذلك يتطلب نية حقيقية للانخراط في حوار بناء. ففي أوقات الأزمات والانقسامات العميقة، يصبح من الصعب على الأفراد تجاوز جراحهم العاطفية وفهم وجهات النظر الأخرى. ومع ذلك، فإن هذا الحوار لا بد أن يحدث في نهاية المطاف.
تحدي الإفراط في المعلومات
بالإضافة إلى الاستقطاب، يواجه مستخدمو وسائل الإعلام الرقمية تحديًا آخر يتمثل في الإفراط في المعلومات. فمع الكم الهائل من البيانات المتاحة، يجد الأفراد أنفسهم غير قادرين على استيعاب كل شيء، مما يؤدي إلى تشتت الانتباه وتقليل القدرة على التركيز. ونتيجة لذلك، يلجأون إلى طرق مختصرة للوصول إلى الاستنتاجات، مثل الاعتماد على العناوين الرئيسية أو الاقتباسات القصيرة دون التحقق من السياق الكامل.
هذا التبسيط المفرط يمكن أن يؤدي إلى تشويه الحقائق وتكوين صورة غير دقيقة عن الأحداث. ففي محاولة للتغلب على الشعور بالارتباك والقلق الناتج عن الإفراط في المعلومات، يميل الأفراد إلى تبني وجهات نظر محددة دون بذل الجهد الكافي لوزن جميع الجوانب المختلفة للموضوع.
تشير التطورات الأخيرة إلى أن هذا الوضع ليس مؤقتًا، بل هو جزء من ديناميكية أوسع ستستمر في التطور. وتشهد فنزويلا، على سبيل المثال، استقطابًا حادًا بين السكان داخل وخارج البلاد، بسبب الأحداث الجارية والتصعيد الدولي. ويرى بعض المحللين أن هذا الاستقطاب يعكس صراعًا أعمق على السلطة والموارد، وأن الاستقطاب المعلوماتي هو مجرد أحد مظاهره.
من المتوقع أن تستمر مناقشات حول تنظيم منصات التواصل الرقمي وزيادة الشفافية في عمل الخوارزميات الخاصة بها. كما أن هناك حاجة متزايدة إلى تطوير مهارات التفكير النقدي ومعرفة كيفية التحقق من مصداقية المعلومات عبر الإنترنت. ستكون هذه الجهود حاسمة في مواجهة تحديات الاستقطاب والإفراط في المعلومات في المستقبل.






