دأبت السلطة الفلسطينية لسنوات على تقديم دعم مالي لعائلات الفلسطينيين الذين قُتلوا أو أُصيبوا أو أُدينوا بالسجن على يد السلطات الإسرائيلية. وقد أثار هذا النظام، الذي يهدف إلى دعم الأسرى وعائلاتهم، جدلاً واسعاً على الصعيد الدولي، ولا سيما مع إسرائيل والولايات المتحدة. يشهد الضفة الغربية حالياً احتجاجات على قرار السلطة الفلسطينية بتقييد هذه المدفوعات، في خطوة تهدف إلى تلبية المطالب الدولية وإعادة هيكلة نظام الدعم المالي.

أعلنت السلطة الفلسطينية عن نيتها لتعديل هذا النظام لفترة طويلة، لكن التطبيق الفعلي بدأ قبل شهرين فقط. يأتي هذا التغيير في ظل ضغوط متزايدة لوقف ما تعتبره إسرائيل “مكافآت للإرهاب” وكتعبير عن حاجة السلطة الفلسطينية إلى إصلاحات عميقة لتعزيز مصداقيتها الداخلية والخارجية.

إيقاف مدفوعات الأسرى: تداعيات على الفلسطينيين

تقول ياسمين أبو لطيفة، أرملة في السابعة والعشرين من عمرها، إنها لم تتلق راتبها الشهري البالغ 2000 شيكل (حوالي 625 دولاراً أمريكياً) منذ شهر نوفمبر. وقد وجدت نفسها غير قادرة على تغطية نفقات الإيجار والطعام، مما اضطرها للعيش مع أهل زوجها في مكان مزدحم في مخيم قلنديا للاجئين بالقرب من رام الله.

هذه الحالة ليست فريدة من نوعها. العديد من العائلات الفلسطينية تعتمد بشكل كبير على هذه المدفوعات، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة والبطالة المتزايدة في الضفة الغربية وقطاع غزة. وقد أثارت هذه الخطوة غضبًا وإحباطًا واسع النطاق، حيث يرى البعض أنها خيانة للقيم الوطنية والتضحيات التي قدمها الأسرى.

الخلفية التاريخية لنظام الدعم

لطالما اعتبرت السلطة الفلسطينية دعم الأسرى وعائلاتهم التزامًا وطنيًا وإنسانيًا. وقد تم تصميم هذا النظام في الأصل لتوفير شبكة أمان اجتماعي للعائلات التي فقدت معيلها أو التي يواجه أفرادها صعوبات بسبب السجن. ومع ذلك، أدى هذا النظام إلى انتقادات من إسرائيل والمجتمع الدولي، بحجة أنه يشجع على العنف والإرهاب.

الضغط الدولي والإسرائيلي

تعتبر إسرائيل أن هذه المدفوعات تشكل “دفع مقابل القتل” وتغذي الإرهاب. وقد استشهدت بهذا السبب في حجب ما يقرب من 4 مليارات شيكل (حوالي 1.25 مليار دولار أمريكي) من عائدات الضرائب الفلسطينية منذ عام 2019، مما أدى إلى تفاقم الأزمة المالية التي تعاني منها السلطة الفلسطينية. بالإضافة إلى ذلك، كانت هذه القضية جزءًا من خطة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب للسلام، والتي تتضمن مطالبة السلطة الفلسطينية بوقف هذه المدفوعات.

نظام الرعاية الاجتماعية الجديد

تسعى السلطة الفلسطينية حالياً إلى استبدال نظام الدفع المباشر للأسرى بنظام رعاية اجتماعية يعتمد على الحاجة المالية. ووفقًا للإجراءات الجديدة، يتعين على العائلات المحتاجة ملء استمارات مفصلة لتقييم وضعها الاقتصادي والاجتماعي. ويهدف هذا النظام إلى ضمان وصول الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجًا بغض النظر عن وضع أفراد أسرهم القانوني.

يأتي هذا التحول الجذري مصحوبًا بانتقادات واسعة النطاق. فحسب استطلاعات الرأي التي أجراها الباحث خليل الشقاقي، فإن غالبية الفلسطينيين يعارضون هذا التغيير ويعتبرونه جزءًا من أزمة أعمق تتعلق بشرعية السلطة الفلسطينية. هناك مخاوف من أن النظام الجديد قد لا يكون فعالاً في الوصول إلى جميع المستحقين وقد يؤدي إلى زيادة الفساد والمحسوبية.

ردود الفعل الفلسطينية

أكد الرئيس محمود عباس أن التحول إلى نموذج الرعاية الاجتماعية لا يعني التخلي عن الأسرى أو عائلاتهم. وأوضح في بيان له أن “الولاء للشهداء والأسرى والجرحى وعائلاتهم يبقى واجباً وطنياً”. ومع ذلك، لا يزال الكثيرون يشككون في هذا التأكيد ويعتبرون أن هذه الخطوة تمثل تنازلاً عن المبادئ الوطنية.

التحديات المستقبلية

تظل مسألة الأسرى قضية حساسة للغاية في المجتمع الفلسطيني. ففي حين أن إسرائيل تشدد على ضرورة وقف الدعم المالي، إلا أن الفلسطينيين يعتبرونه حقًا أساسيًا للأسرى وعائلاتهم. تعتبر هذه القضية جزءًا من صراع أوسع نطاقًا حول الحقوق الوطنية والهوية والسلام العادل والدائم. التحول إلى نظام الرعاية الاجتماعية الجديد يمثل تحديًا كبيرًا للسلطة الفلسطينية، وسيتطلب جهودًا كبيرة لضمان تنفيذه بشكل عادل وشفاف. من المتوقع أن تشهد الأيام القادمة المزيد من الاحتجاجات والتوترات إذا لم يتم إيجاد حلول مرضية لجميع الأطراف. وتشير التقارير إلى أن نجاح هذا التحول سيعتمد بشكل كبير على قدرة السلطة الفلسطينية على كسب ثقة الشعب الفلسطيني والحصول على دعم دولي فعال.

شاركها.