لطالما كانت مدينة نيويورك بوتقة تنصهر فيها الثقافات والأعراق والأديان، لكن انتخابات عام 2025 شهدت تحولاً ديمغرافياً وسياسياً هاماً. فمع تنصيب زهران ممداني كأول عمدة مسلم ومن أصول جنوب آسيوية في تاريخ المدينة، أصبحت الجالية المسلمة قوة سياسية مؤثرة، بحسب تقارير صحيفة واشنطن بوست. هذا التحول يمثل نقطة تحول في المشهد السياسي للمدينة، ويطرح تساؤلات حول مستقبل العلاقات بين المجتمعات المختلفة.

أدى ممداني اليمين الدستورية على القرآن الكريم في بداية العام الجديد، في حفل خاص أقيم داخل محطة مترو قديمة في مبنى البلدية، بحضور عائلته والمقربين منه. هذا الحدث يمثل رمزية قوية، ويعكس التغيرات التي تشهدها المدينة. وقد أكد ممداني في خطابه التنصيبي عزمه على قيادة نيويورك بـ”جرأة”، معترفاً في الوقت ذاته بأن النجاح ليس مضموناً، لكنه وعد بعدم التردد في المحاولة.

صعود الجالية المسلمة في نيويورك

على مدى عقود، واجهت الجاليات المسلمة في نيويورك تحديات كبيرة، بما في ذلك الرقابة الأمنية المتزايدة بعد أحداث 11 سبتمبر، وانتشار ظاهرة الإسلاموفوبيا، والتهميش الاقتصادي. ومع ذلك، استمرت هذه الجاليات في النمو والتوسع، وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي للمدينة. ويقدر عدد المسلمين في نيويورك بنحو مليون نسمة، أي ما يعادل حوالي 12% من إجمالي السكان، وفقاً لمجلس العلاقات الأميركية الإسلامية (كير).

يعكس انتخاب ممداني هذه القوة المتنامية، ويمثل لحظة فارقة في تاريخ المدينة. فمنطقة موريس بارك في حي برونكس، المعروفة سابقاً باسم “ليتل يمن”، تشهد تحولات ديمغرافية واقتصادية ملحوظة، حيث تزدهر الأعمال التجارية المملوكة لأفراد من الجالية اليمنية والعربية. ويجري حالياً بناء مركز برونكس الإسلامي الجديد، والذي من المتوقع أن يصبح أكبر مسجد في ولاية نيويورك عند افتتاحه في أواخر عام 2026.

التحولات الديموغرافية والسياسية

أظهرت بيانات الانتخابات أن المسلمين شكلوا 14% من الأصوات التي أُدلي بها في انتخابات 2025، وهو ضعف حصتهم من الناخبين المسجلين. هذا يشير إلى زيادة مشاركة المسلمين في العملية السياسية، ورغبتهم في التأثير على القرارات التي تؤثر على حياتهم. بالإضافة إلى ذلك، ساهم التغير الديموغرافي في إنعاش الاقتصاد المحلي، حيث ساهم أصحاب الأعمال اليمنيون والعرب في خفض معدلات الشواغر التجارية.

ويرى مراقبون أن فوز ممداني لم يكن مجرد نتيجة للانتماء الديني، بل يعكس أيضاً برنامجه السياسي الذي يركز على العدالة الاجتماعية، والذي يتقاطع مع قيم الإسلام. وقد وجد العديد من الناخبين في مقترحاته المتعلقة بالحق في الغذاء والصحة والمأوى صدى لقيمهم الدينية والأخلاقية.

التحديات المستقبلية والآفاق الجديدة

على الرغم من هذا النجاح، يواجه ممداني تحديات كبيرة في المستقبل. فالجالية المسلمة ليست كتلة واحدة متجانسة، وهناك اختلافات في الآراء والتطلعات بين أفرادها. فبينما يدعم الكثيرون أجندته التقدمية، يعرب آخرون عن رغبتهم في زيادة انتشار الشرطة والحفاظ على القيم التعليمية التقليدية. السياسة في نيويورك معقدة وتتطلب توازناً دقيقاً.

بالإضافة إلى ذلك، هناك قلق متزايد بشأن تصاعد معاداة الصهيونية وارتباطها بمعاداة السامية. وقد حذر بعض القادة اليهود من أن المطالب التي يطرحها المسلمون، مثل إعادة النظر في علاقات نيويورك بإسرائيل، قد تؤدي إلى تفاقم التوترات بين المجتمعات المختلفة. التنوع الثقافي في نيويورك يمثل قوة، ولكنه يتطلب أيضاً جهوداً مستمرة لتعزيز التفاهم والاحترام المتبادل.

يتوقع أن يركز ممداني في الفترة القادمة على تنفيذ برنامجه السياسي، وتعزيز الحوار بين المجتمعات المختلفة، ومعالجة التحديات التي تواجه المدينة. ومن المتوقع أن يشهد العام 2026 تطورات هامة في هذا الصدد، حيث سيواجه ممداني اختبارات حقيقية في قدرته على تحقيق وعوده، وبناء مدينة أكثر عدلاً ومساواة للجميع. ستكون متابعة سياساته وتأثيرها على مختلف شرائح المجتمع أمراً بالغ الأهمية في الأشهر والسنوات القادمة.

شاركها.