في حدث سينمائي فريد من نوعه، اجتمع أكثر من 250 شخصًا في مانهاتن لمشاهدة فيلم يتجاوز زمنه سبع ساعات ونصف. هذا الحدث، الذي استضافه مركز لينكولن السينمائي كجزء من برنامج “وداعًا لبلا تار”، سلط الضوء على الفيلم المجري الملحمي “تانغو الشيطان” (Sátántangó) الذي أخرجه الراحل بلا تار. في عصر السرعة والتشتت الرقمي، يمثل مثل هذا العرض تجربة استثنائية تتحدى مفهوم المشاهدة التقليدي وتستدعي تأملات حول قدرتنا على التركيز والصبر.

يبلغ طول فيلم “تانغو الشيطان”، الذي أنتج عام 1994، 439 دقيقة، ويحكي قصة جماعية زراعية مجرية فاشلة. يُعتبر هذا الفيلم تحفة سينمائية نادرة المشاهدة، ويحظى بتقدير خاص لدى عشاق الأفلام الجادين. استمرار عرضه في حدث سينمائي كبير يؤكد أن هناك شريحة من الجمهور لا تزال تبحث عن تجارب سينمائية عميقة تتجاوز حدود الترفيه السطحي.

مقاومة أزمة الانتباه: “تانغو الشيطان” كرمز للصبر السينمائي

يأتي عرض فيلم “تانغو الشيطان” وسط موجة من التقارير التي تحذر من “أزمة الانتباه” المتزايدة. في عالم تهيمن عليه مقاطع الفيديو القصيرة على وسائل التواصل الاجتماعي، يجد الكثيرون صعوبة متزايدة في الحفاظ على تركيزهم لفترات طويلة. حتى المسلسلات التلفزيونية الأفلام التي تستغرق وقتًا عاديًا غالبًا ما تتطلب تكرارًا للأحداث أو جرعات مكثفة من الحركة لإبقاء المشاهدين منتبهين. وفقًا لتايلر ويلسون، المبرمج في مركز لينكولن السينمائي، فإن “عضلات الانتباه المستدام قد ضعفت لدينا”.

ويضيف ويلسون أن مثل هذه الفعالية توفر “فرصة للتواجد في غرفة، مع توقع البقاء وعدم النظر إلى الهاتف وعدم التحدث. إنه انضباط مشترك”. هذه الظاهرة التي تتجسد في فيلم “تانغو الشيطان” ليست مجرد مسألة طول، بل هي تتعلق بجوهر التجربة السينمائية نفسها. فبينما يتميز الفيلم بطول مدته، فإن متوسط طول اللقطة فيه يبلغ حوالي 2.5 دقيقة، وهو أطول بستين مرة من متوسط اللقطة في الأفلام الهوليوودية.

سينما “السينما البطيئة”: تأمل في الزمن والصور

يُعرف هذا النوع من الأفلام، والذي ينتمي إليه “تانغو الشيطان”، بأنه ينتمي إلى فئة “السينما البطيئة” (Slow Cinema). لا يقتصر الأمر على طول الفيلم، بل على طبيعة السرد السينمائي التي تطيل من إدراكنا للزمن، على عكس أفلام هوليوود الحديثة التي غالبًا ما تهدف إلى تسريع وتيرة الأحداث. تتطلب السينما البطيئة من المشاهد قضاء وقت أطول في التأمل، وتقديم قدر كبير من الصبر.

توضح ليليكسي تيرنر، التي تدرس ندوات حول السينما البطيئة في كلية ماريماونت مانهاتن، أن هذه الأفلام “تجعلك تقضي وقتًا”. وتشير إلى أن هناك “جانبًا من التأمل. وطلبًا للصبر”. غالبًا ما تستخدم هذه الأفلام ممثلين غير محترفين ومواقع غير مألوفة للجمهور الغربي، مما يضفي عليها نوعًا من الكرامة. من خلال قضاء الوقت في مشاهدة شخصية تجتاز حقلًا أو غروب الشمس ببطء، يؤكد صانعو الأفلام هؤلاء أن هذه التجارب والصور تستحق التسجيل والنظر فيها.

تحدي المألوف في عالم متسارع

في ظل التحديات التي تواجهها قدرتنا على التركيز، يمثل عرض أفلام مثل “تانغو الشيطان” دليلاً على استمرار وجود اهتمام بالجوانب الأعمق للسينما. على الرغم من أن هناك اتجاهًا متزايدًا نحو الاستهلاك السريع للمحتوى، إلا أن هناك أيضًا بحثًا عن تجارب فنية غنية تتطلب وقتًا وتفكيرًا. هذا الحدث السينمائي في مانهاتن، رغم طوله الاستثنائي، أثبت وجود جمهور مستعد للانخراط في رحلة سينمائية طويلة.

على الرغم من أن برامج وداع المخرجين السينمائيين غالبًا ما تكون مخصصة للاحتفاء بإرثهم، إلا أن اختيار فيلم بهذا الطول قد يحمل رسالة أوسع حول أهمية الحفاظ على أشكال فنية تتطلب استعدادًا مختلفًا للمشاهدة. يظل السؤال كيف ستتطور هذه الفرص للتعرض للأعمال السينمائية الطويلة والنادرة في المستقبل، وهل ستؤثر على فهمنا للمدة الزمنية المناسبة للعرض السينمائي.

شاركها.