فرنسا تعرض توسيع ردعها النووي على أوروبا: ماكرون يؤكد عدم منافسة الناتو

يعتزم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في خطاب هام يوم الاثنين، الكشف عن تفاصيل مبادرة فرنسية لتوسيع نطاق الردع النووي ليشمل دول أوروبا، مؤكداً في الوقت ذاته أن هذا المقترح لن يشكل منافسة للمظلة الأمنية التي توفرها الولايات المتحدة. يأتي هذا الإعلان في وقت تشهد فيه الساحة الجيوسياسية العالمية تحولات جذرية، مما يدفع القارة الأوروبية لإعادة تقييم استراتيجياتها الدفاعية.

يُعد هذا الخطاب هو الأول للرئيس الفرنسي حول الردع النووي منذ عام 2020، حيث أعرب آنذاك عن استعداده “لإشراك” الدول الأوروبية الراغبة في تمارين مشتركة. وسيُلقى الخطاب من قاعدة إيل لونغ الاستراتيجية في شمال غرب فرنسا، وهي الموقع الذي تتمركز فيه الغواصات الفرنسية الأربع المسلحة بالصواريخ الباليستية النووية. وقد وصف مصدر مقرب من الرئيس هذا الحدث بأنه “لحظة مهمة في ولايته، تحمل تحولات وتطورات جوهرية”.

تصدعات جيوسياسية تزيد الاهتمام بالردع النووي الأوروبي

تأتي هذه المبادرة الفرنسية في ظل مناخ جيوسياسي متوتر، غذته الحرب الروسية الأوكرانية وعودة دونالد ترامب إلى السلطة في الولايات المتحدة، مما ألقى بظلال من الشكوك على التزام واشنطن بأمن أوروبا. وقد تفاقمت هذه المخاوف مؤخراً بتصريحات ترامب حول إمكانية استخدام القوة العسكرية للاستيلاء على غرينلاند من الدنمارك، حليفة الناتو. وعلى الرغم من تأكيد القادة الأوروبيين العلني على ثقتهم في التزام الولايات المتحدة طويل الأمد تجاه حلفائها، إلا أن هذه الأحداث تركت بصمة واضحة.

في الوقت نفسه، تشير تقارير إلى توجه الولايات المتحدة نحو إعادة توجيه جهودها نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مما قد يتضمن سحب جزئي للقوات والمعدات من أوروبا. وعلى الرغم من عدم وضوح تفاصيل هذا الانسحاب المحتمل، إلا أن المصادر الفرنسية تؤكد أن الفترة الحالية “مواتية بشكل أساسي لانتشار الأسلحة النووية”، مع تطور روسيا لصواريخ فرط صوتية، وتوسع الصين المتسارع لترسانتها النووية، وتزايد التوتر بشأن البرنامج النووي الإيراني في الشرق الأوسط. وتشير هذه المصادر إلى وجود “اهتمام متزايد بين الشركاء” الأوروبيين، مع التأكيد على أن هذا الاهتمام “لا يتعارض بأي شكل من الأشكال مع حلف الناتو”.

فرنسا تؤكد سياستها النووية “الكفاية الصارمة”

من ناحية أخرى، يرى أمين عام الناتو، ينس ستولتنبرغ، ومفوض الدفاع في الاتحاد الأوروبي، أندريوس كوبيليوس، أن بناء مظلة نووية أوروبية مستقلة قد يكون مكلفاً ويستغرق وقتاً طويلاً. وتعتمد السياسة النووية الفرنسية على مبدأ “الكفاية الصارمة”، والذي يحد من عدد الرؤوس الحربية إلى الحد الأدنى اللازم لتكبد أي خصم ضرراً غير مقبول. ويبلغ مخزون فرنسا النووي حوالي 300 رأس حربي، وهو رقم أقل بكثير من تقديرات 3500 رأس حربي لكل من الولايات المتحدة وروسيا.

وأكد مصدر فرنسي أن “أحد عناصر عقيدتنا النووية التي تستحق التأكيد مجدداً هو رفضنا للحرب النووية. لذا، نحن لا نخوض سباق تسلح، على حد تعبيره، مع الترسانات الكبرى. المهم هو أن ترسانتنا تضمن قدرتنا على إلحاق ضرر غير مقبول”. وتتعاون فرنسا والمملكة المتحدة في مجال الردع النووي بشكل متزايد، من خلال اتفاقية نورثوود الموقعة الصيف الماضي، حيث تشكلت مجموعة توجيه نووية مشتركة لتوفير التوجيه السياسي لهذا التعاون، وتشمل المشاركة في التدريبات النووية المتبادلة.

ماذا بعد؟

يبقى السؤال حول كيفية تحقيق التنسيق والتكامل بين الردع الفرنسي والأوروبي، ومدى فعالية هذا التعاون في مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة. ويتوقع المراقبون أن يسلط خطاب الرئيس ماكرون الضوء على آليات محددة لهذا التعاون، مع التأكيد على مبدأ التكافؤ وعدم تكرار الجهود. وستكون ردود الفعل الدولية، وخاصة من حلفاء الناتو والولايات المتحدة، مؤشراً هاماً على مستقبل الردع النووي في أوروبا.

شاركها.