تشهد العاصمة اليمنية المؤقتة عدن تحولات ملحوظة في المشهد الأمني والعسكري، حيث بدأت عملية إعادة تموضع للقوات العسكرية خارج المدينة. تأتي هذه الخطوة في إطار مساعي الحكومة اليمنية وتحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية لتهيئة بيئة أكثر استقرارًا وأمنًا، وتوحيد التشكيلات العسكرية ضمن جيش وطني نظامي. وتعتبر هذه التحركات جزءًا من جهود أوسع نطاقًا لتحقيق السلام والاستقرار في اليمن، خاصةً في ظل التطورات الأخيرة في المحافظات الجنوبية والشرقية.

ومنذ حوالي أسبوع، تكثفت الاجتماعات بين السلطات المحلية في عدن والقيادات العسكرية، بالتزامن مع وصول وفد عسكري من التحالف بقيادة اللواء فلاح الشهراني، مستشار قائد القوات المشتركة. تهدف هذه الاجتماعات إلى مناقشة الإجراءات المتعلقة بتنظيم وتوحيد عمل التشكيلات العسكرية، وإخراجها من نطاق المدينة، وذلك بهدف تعزيز الأمن المدني وتطبيع الحياة في عدن.

ما مسار التحركات العسكرية في عدن؟

تأتي هذه التحركات بعد فترة طويلة من التوتر والفوضى الأمنية شهدتها عدن، نتيجة لوجود العديد من التشكيلات المسلحة المتنافسة. وتهدف الخطة إلى إخراج هذه القوات إلى معسكرات خارج المدينة، وإعادة تنظيمها وتأهيلها وتدريبها لتكون جزءًا من جيش وطني موحد يخضع لقيادة مركزية.

وكان رئيس المجلس الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، قد أعلن في العاشر من يناير/كانون الثاني الحالي، تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات تحالف دعم الشرعية، والتي ستتولى مهمة إعداد وتجهيز وقيادة جميع القوات والتشكيلات العسكرية اليمنية. ويأتي هذا الإعلان في سياق الجهود المبذولة لتعزيز سلطة الدولة وإعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية.

اجتماع لقيادات عسكرية في عدن يناقش خطة إخراج المعسكرات من المدينة (وكالة سبأ)

ما واقع التشظي العسكري في اليمن؟

شهدت المحافظات الجنوبية والشرقية اليمنية منذ عام 2015 إنشاء العديد من التشكيلات المسلحة، غالبيتها تتبع المجلس الانتقالي الجنوبي. وقد أدى هذا التنوع في القوى العسكرية إلى حالة من التشظي والفوضى، وعرقل جهود تحقيق الاستقرار والأمن في المنطقة.

وخلال السنوات الماضية، شهدت عدن جولات متكررة من المواجهات المسلحة بين هذه التشكيلات والفصائل العسكرية، مما أثر سلبًا على حياة المواطنين وأعاق التنمية الاقتصادية. ورغم محاولات دمج وتوحيد القوات، بموجب اتفاق الرياض في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، وما تلاه من تشكيل مجلس القيادة الرئاسي في أبريل/نيسان 2022، لم تنجح هذه الجهود بشكل كامل في هيكلة القوات ضمن إطار وزارتي الدفاع والداخلية.

وتشير التقارير إلى أن هذه التشكيلات كانت مخصصة للقتال في ظروف طارئة، ولكن مع استتباب الأمن، بات من الضروري إعادتها إلى معسكراتها وتوحيدها تحت قيادة واحدة. ويعتبر هذا الإجراء خطوة مهمة نحو بناء جيش وطني قوي وموحد قادر على حماية اليمن وسيادته.

لماذا إخراج المعسكرات من عدن؟

أكد محافظ عدن الجديد، عبد الرحمن شيخ اليافعي، عقب أدائه اليمين الدستورية، على ضرورة القطيعة التامة مع عسكرة الحياة المدنية في عدن. ويأتي هذا التأكيد في سياق الجهود الرامية إلى إعادة عدن إلى طبيعتها كمدينة مدنية آمنة ومستقرة.

وأوضح اللواء الشهراني أن إخراج القوات العسكرية من عدن يهدف إلى تعزيز الطابع المدني للمدينة، وتوفير بيئة مناسبة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. كما سيساهم في تحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، وتخفيف الأعباء الأمنية عنهم.

ما مصير المواقع العسكرية بعد الإخلاء؟

أشار اللواء الشهراني إلى أن مواقع تموضع القوات العسكرية المتفق عليها سيتم الإعلان عنها لاحقًا من قبل الجهات المختصة. ومن المتوقع أن يتم تحويل هذه المواقع إلى منشآت مدنية تخدم الصالح العام، مثل الحدائق والمراكز التجارية والمؤسسات التعليمية.

ويعتبر هذا الإجراء خطوة إيجابية نحو إعادة بناء عدن وتحويلها إلى مدينة حديثة ومتطورة. كما سيساهم في تعزيز الثقة بين المواطنين والحكومة، وتحسين العلاقات بين الجانبين.

محافظ عدن الجديد أكد ضرورة القطيعة التامة مع عسكرة الحياة المدنية في العاصمة المؤقتة (الفرنسية)

تأتي هذه التطورات في أعقاب سيطرة القوات الحكومية اليمنية بدعم من التحالف على المحافظات الجنوبية والشرقية، بما في ذلك حضرموت. وتشير هذه التطورات إلى تحول كبير في موازين القوى في اليمن، وإلى إمكانية تحقيق تقدم نحو الاستقرار والسلام.

ومع استمرار عملية إعادة التموضع العسكري في عدن، يتوقع أن تشهد المدينة تحسنًا ملحوظًا في الوضع الأمني، وأن تعود الحياة إلى طبيعتها بشكل تدريجي. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات كبيرة تواجه اليمن، بما في ذلك الوضع الاقتصادي والإنساني المتردي، والانقسامات السياسية والاجتماعية العميقة. وستتطلب معالجة هذه التحديات جهودًا مشتركة من جميع الأطراف اليمنية، ودعمًا دوليًا مستمرًا.

شاركها.