مع تزايد الاعتماد على التكنولوجيا الرقمية في جميع جوانب الحياة، شهدنا ارتفاعًا ملحوظًا في حالات العنف الإلكتروني ضد المرأة. لم تعد المساحات الرقمية ملاذًا آمنًا، بل أصبحت ساحة لتصعيد أشكال جديدة من الإيذاء والتهديد، مما يثير قلقًا متزايدًا على مستوى العالم. تشير التقارير الحديثة إلى أن هذه الظاهرة تتفاقم بوتيرة سريعة، خاصة مع تطور الذكاء الاصطناعي.
تظهر أحدث الإحصائيات أن أكثر من 90٪ من مقاطع الفيديو المزيفة (deepfake) على الإنترنت ذات طبيعة إباحية، وأن النساء هنّ الهدف الرئيسي في هذه المقاطع. وقد كشف تقرير صادر عن Security Hero في عام 2023 عن هذه النسبة المقلقة. كما أظهر تقرير صادر عن شبكة Women Against Violence Europe (WAVE) أن التحرش عبر الإنترنت والمطاردة والمراقبة واستخدام برامج التجسس هي الأشكال الأكثر شيوعًا للعنف الإلكتروني التي تتعرض لها النساء والفتيات في أوروبا.
تزايد المخاوف بشأن الصور الإباحية المصطنعة
يشكل العنف الإلكتروني ضد المرأة تحديًا كبيرًا يتطلب استجابة شاملة من الحكومات والمنصات الرقمية والمجتمع المدني. تتضمن هذه الاستجابة تطوير قوانين وسياسات فعالة لحماية الضحايا، وتوفير الدعم النفسي والقانوني اللازم لهن، وزيادة الوعي حول مخاطر هذه الظاهرة. بالإضافة إلى ذلك، يجب العمل على معالجة الأسباب الجذرية للعنف ضد المرأة، مثل التمييز والتحيز الجنسي.
لقد أدى التطور السريع للذكاء الاصطناعي في السنوات الأخيرة إلى تفاقم المشكلة وظهور تحديات جديدة، خاصة فيما يتعلق بالصور الإباحية المصطنعة. أظهرت تحليلات أجرتها منظمة AI Forensics، وهي منظمة غير ربحية أوروبية متخصصة في التحقيق في الخوارزميات المؤثرة، أن روبوت الدردشة Grok المملوك لإيلون ماسك استجاب لطلبات المستخدمين “لإزالة الملابس” عن صور النساء، مما أدى إلى إنشاء مقاطع فيديو مزيفة باستخدام الذكاء الاصطناعي دون أي إجراءات وقائية.
تحليل بيانات Grok
كشف تحليل AI Forensics لأكثر من 20 ألف صورة تم إنشاؤها بواسطة Grok و 50 ألف طلب من المستخدمين أن 53٪ من الصور التي تم إنشاؤها تحتوي على أفراد يرتدون ملابس قليلة، وأن 81٪ من هؤلاء الأفراد كانوا من النساء. علاوة على ذلك، أظهرت 2٪ من الصور أفرادًا يبدو أنهم دون سن 18 عامًا، بينما مثلت 6٪ من الصور شخصيات عامة، حوالي ثلثهم من السياسيين.
ردًا على ذلك، قامت المنصة بتطبيق أدوات جديدة لمنع Grok من السماح بتحرير صور لأشخاص حقيقيين يرتدون ملابس كاشفة مثل البكيني. أعلن فريق السلامة التابع لماسك على منصة X عن هذا الإجراء، موضحًا أنه ينطبق على جميع المستخدمين، بما في ذلك المشتركين المدفوعين. كما ادعى ماسك أنه يتخذ إجراءات لإزالة المحتوى المخالف ذي الأولوية العالية، بما في ذلك المواد المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال والصور الإباحية غير المرغوب فيها، والإبلاغ عن الحسابات التي تسعى إلى استغلال الأطفال إلى سلطات إنفاذ القانون.
السياسيون والصحفيون ومدافعو حقوق المرأة والناشطات النسويات هم أهداف متكررة للتحرش عبر الإنترنت، والإباحية المزيفة، وخطاب الكراهية المنسق الذي يهدف إلى إسكاتهم أو تشويه سمعتهم. تعتبر اليونان مثالاً على ذلك، حيث شكلت النساء 55.3٪ من ضحايا التهديدات عبر الإنترنت و 69.6٪ من ضحايا المطاردة الإلكترونية في عام 2023.
انتشار العنف الرقمي في أوروبا
أفادت أكثر من نصف الدول (57٪) بزيادة في حالات الاعتداء القائم على الصور ومشاركة الصور الحميمة غير المرغوب فيها. في الدنمارك، تضاعف عدد الشباب الذين يتعرضون للاعتداء القائم على الصور منذ عام 2021. يشير تقرير WAVE إلى أن الخوارزميات يمكن أن تنشر بسرعة المحتوى الذي يحط من قدر المرأة إلى عدد كبير من الأشخاص، مما يخلق مساحات مغلقة حيث يتم تطبيع العنف ضد المرأة وتنتشر الأفكار الضارة، خاصة بين الشباب.
تتزايد الجهود الدولية لمكافحة التحرش الرقمي والعنف القائم على النوع الاجتماعي عبر الإنترنت، ولكن لا يزال هناك الكثير الذي يتعين القيام به. تعتبر حماية الخصوصية وتعزيز الأمن الرقمي من العناصر الأساسية في هذه الجهود. كما أن تعزيز التعليم الإعلامي والرقمي يمكن أن يساعد الأفراد على التعرف على أشكال العنف الإلكتروني والإبلاغ عنها.
من المتوقع أن يناقش البرلمان الأوروبي في الأشهر المقبلة مقترحات جديدة لتعزيز قوانين مكافحة العنف ضد المرأة، بما في ذلك العنف الإلكتروني. كما من المقرر أن تعقد الأمم المتحدة مؤتمرًا عالميًا حول هذا الموضوع في عام 2025. يبقى من غير المؤكد مدى فعالية هذه الإجراءات، ولكنها تمثل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح. يجب مراقبة التطورات التكنولوجية عن كثب، والتكيف مع التحديات الجديدة التي تطرحها.






