أظهرت دراسة حديثة أجريت في ألمانيا أن رغبة الهجرة من ألمانيا تتزايد بين فئات مختلفة من السكان، حيث يفكر واحد من كل خمسة أشخاص في مغادرة البلاد. وتشير نتائج الدراسة، التي نشرت في الأول من أكتوبر 2026، إلى أن هذه الرغبة أكثر انتشاراً بين ذوي الأصول المهاجرة وأبنائهم، مما يثير تساؤلات حول أسباب هذا التوجه وتأثيره على التركيبة السكانية والاقتصاد الألماني.

وكشفت الدراسة أن 21% من إجمالي السكان يفكرون في الهجرة، مع وجود فجوة كبيرة بين الألمان غير المهاجرين وذوي الأصول المهاجرة. ففي حين أن 17% من الألمان الأصليين يفكرون في المغادرة، ترتفع هذه النسبة إلى 34% بين ذوي الأصول المهاجرة، وتصل إلى 37% بين أبنائهم.

أسباب تفكير السكان في الهجرة من ألمانيا

يرجع السبب الرئيسي وراء تفكير الأفراد في الهجرة من ألمانيا، وفقًا للدراسة، إلى السعي وراء مستوى معيشة أفضل. هذا الدافع يشكل حوالي 50% من الأسباب التي ذكرها المشاركون. بالإضافة إلى ذلك، تلعب تجارب التمييز والمعاملة غير العادلة دوراً هاماً، خاصة بين ذوي الأصول المهاجرة.

تفاوت الأسباب بين الفئات

أظهرت الدراسة تفاوتًا في الأسباب الرئيسية للهجرة بين مختلف المجموعات السكانية. فقد أوضح 39% من الأشخاص ذوي الروابط العائلية مع تركيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا أنهم يفكرون في الهجرة بحثًا عن حياة أفضل. أما القادمون من الاتحاد السوفياتي السابق، فكانت نسبتهم 31%، بينما بلغت 28% بين القادمين من دول الاتحاد الأوروبي.

وعلى الرغم من شيوع فكرة الهجرة، إلا أن نسبة قليلة فقط تخطط بالفعل للمغادرة على المدى القصير. فقد ذكر 2% فقط من المشاركين أنهم يخططون لمغادرة البلاد خلال العام المقبل. ومع ذلك، تشير بيانات مكتب الإحصاء الاتحادي إلى أن حوالي 1.2 مليون شخص غادروا ألمانيا بشكل فعلي في عام 2024.

وفي هذا السياق، أظهرت دراسة أخرى أجراها معهد أبحاث سوق العمل والمهن في منتصف عام 2025 أن 26% من الأشخاص الذين هاجروا إلى ألمانيا يفكرون بدورهم في المغادرة، وأن 3% منهم لديهم خطط ملموسة لذلك.

تأثير الشعور بالتمييز على قرار الهجرة

يشير الباحثون إلى أن الشعور بالتمييز يلعب دوراً هاماً في قرار الهجرة لدى ذوي الأصول المهاجرة. فقد أفاد 25% من القادمين من تركيا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن تعرضهم للتمييز هو أحد الأسباب التي تدفعهم للتفكير في مغادرة البلاد. هذا يشير إلى أن دمج المهاجرين في المجتمع الألماني لا يزال يواجه تحديات.

وقال فابيو بيست، الباحث في مركز الأبحاث الألماني للاندماج والهجرة “ديزيم” إن “البيانات توضح أن الرغبة في مغادرة ألمانيا لا تزال مرتفعة، لا سيما بين ذوي الأصول المهاجرة وأبنائهم”. وأضاف أن “الشعور بالتمييز يلعب دورًا مهمًا في ذلك، إلى جانب البحث عن ظروف معيشية أفضل.”

ويؤكد المركز على ضرورة اتخاذ إجراءات شاملة لتحسين ظروف الحياة من أجل إبقاء الناس في ألمانيا على المدى الطويل. ويشدد على أن ضمان التعايش في مجتمع متنوع يتطلب جهودًا مستمرة لتعزيز المساواة وتكافؤ الفرص.

تتعلق النقاشات العامة في ألمانيا عادةً بالهجرة الوافدة إلى البلاد، في حين أن هجرة الأفراد من ألمانيا بشكل منتظم تحظى باهتمام أقل. تؤكد الدراسة على أهمية دراسة هذا الجانب من الهجرة لفهم التحديات التي تواجه ألمانيا بشكل كامل. كما تشير إلى أن هناك حاجة إلى مزيد من البحث لفهم العوامل التي تساهم في اتخاذ قرار الهجرة بشكل نهائي.

النتائج الأولية تشير إلى أن جهات حكومية وفيدرالية تبحث في تعديل قوانين الاندماج في ألمانيا، وستقدم مقترحاتها بحلول نهاية الربع الأول من عام 2027. من المتوقع أن تركز هذه التعديلات على تسهيل إجراءات الحصول على الجنسية الألمانية، وتوفير المزيد من الدعم للمهاجرين في مجالات التعليم والتوظيف. ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه التعديلات ستكون كافية لمعالجة الأسباب الجذرية لرغبة الأفراد في الهجرة.

بالإضافة إلى ذلك، من المهم مراقبة التطورات الاقتصادية والاجتماعية في ألمانيا، حيث يمكن أن تؤثر هذه التطورات على قرار الهجرة. فالتحسن في الأوضاع الاقتصادية وتوفير فرص عمل أفضل قد يقلل من رغبة الأفراد في الهجرة، في حين أن تدهور الأوضاع الاقتصادية وزيادة البطالة قد يزيد من هذه الرغبة. كما أن التغيرات في السياسات الاجتماعية المتعلقة بالهجرة قد تلعب دوراً هاماً في هذا السياق.

شاركها.