تزايد الاعتماد الأوروبي على الذكاء الاصطناعي (AI) المُصنّع في الولايات المتحدة يثير مخاوف متزايدة بشأن الأمن القومي والاقتصادي. وتشير تحليلات حديثة إلى أن هذا الاعتماد قد يتحول إلى عبء استراتيجي، خاصةً في ظل التوترات التجارية والجيوسياسية المتصاعدة. تسعى أوروبا حاليًا إلى تعزيز قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي وتطوير بدائل محلية، لكن الفجوة التكنولوجية لا تزال كبيرة.

تأتي هذه المخاوف في وقت تشهد فيه العلاقات عبر الأطلسي تقلبات، مع احتمال استخدام الولايات المتحدة نفوذها في مجال التكنولوجيا كورقة ضغط في المفاوضات التجارية. وبحسب خبراء، فإن السيناريو الأسوأ – وهو قطع الوصول إلى خدمات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية الحيوية – وإن كان غير مرجح، إلا أنه يبرز هشاشة الوضع الحالي.

تحديات سيادة أوروبا في مجال الذكاء الاصطناعي

بدأت دول أوروبية في إطلاق مبادرات لتقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية، من خلال برامج التمويل، وتخفيف القيود التنظيمية، والشراكات مع المؤسسات الأكاديمية. وتركز بعض الجهود على بناء نماذج لغوية كبيرة تنافسية للغات الأوروبية، مثل مشروع Apertus و GPT-NL. ومع ذلك، يرى المحللون أن التفوق الحالي للنماذج الأمريكية مثل ChatGPT و Claude يجعل من الصعب على أوروبا اللحاق بالركب.

الفجوة التكنولوجية المتزايدة

يشير خبراء الصناعة إلى أن مجال الذكاء الاصطناعي غالبًا ما يشهد “فائزًا يتولى الأمر”، حيث يميل المستخدمون إلى التجمع حول المنصات الأفضل أداءً. وبالتالي، فإن عدم القدرة على إنتاج تكنولوجيا متطورة في هذا المجال قد يؤدي إلى تفاقم الفجوة التكنولوجية، حيث ستستمر أوروبا في تزويد الشركات الأمريكية بالبيانات والموارد، مما يعزز من موقعها المهيمن.

تعريف “السيادة الرقمية”

لا يزال هناك جدل حول المدى الذي يجب أن تسعى إليه كل من المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي لتحقيق “السيادة الرقمية”. هل تتطلب السيادة الاكتفاء الذاتي الكامل عبر سلسلة توريد الذكاء الاصطناعي بأكملها، أم مجرد تحسين القدرات في مجالات محددة؟ هل يجب استبعاد الشركات الأمريكية، أم مجرد توفير بدائل محلية؟ يصف خبراء السياسات هذا المفهوم بأنه “غامض” في الوقت الحالي، وأنه أقرب إلى سردية عامة منه إلى استراتيجية واضحة.

الخلاف حول السياسات المناسبة

تختلف الآراء حول أفضل السبل لتحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الذكاء الاصطناعي. يدعو بعض الموردين الأوروبيين إلى استراتيجية تتطلب من الشركات الأوروبية شراء منتجات من الشركات المحلية، على غرار ما تفعله الصين في سوق المعالجات. ويرون أن هذا النهج سيساعد في خلق الطلب، وهو أكثر أهمية من مجرد الوصول إلى رأس المال.

في المقابل، يرى مؤيدو الأسواق المفتوحة والتحرير أن محاولة استبعاد الشركات الأمريكية قد تضر بالشركات الأوروبية، وتجعلها في وضع غير تنافسي. ويؤكدون أن السيادة تعني وجود خيار، وأن الشركات يجب أن تكون حرة في اختيار منتجات الذكاء الاصطناعي التي تناسب احتياجاتها.

نماذج واعدة وأمل في اللحاق بالركب

على الرغم من الخلافات حول التفاصيل السياسية، هناك إجماع واسع على أن سد الفجوة التكنولوجية مع القادة الأمريكيين لا يزال ممكنًا، حتى بالنسبة للمختبرات ذات الموارد المحدودة. وقد أثبت مشروع DeepSeek ذلك بالفعل. ويعتزم مشروع SOOFI، وهو مشروع تطوير نماذج لغوية مفتوحة المصدر، إطلاق نموذج لغوي عام تنافسي يحتوي على حوالي 100 مليار معلمة خلال العام المقبل.

ويؤكد خبراء أن التقدم في هذا المجال لن يعتمد بشكل كبير على أكبر مجموعات وحدات معالجة الرسومات (GPU) بعد الآن. ويرون أن أوروبا يمكن أن تصبح “DeepSeek الأوروبي” من خلال التركيز على الابتكار والكفاءة.

تطورات تكنولوجيا التعلم الآلي (Machine Learning)

بالإضافة إلى نماذج اللغة الكبيرة، تشهد أوروبا تطورات في مجالات أخرى من الذكاء الاصطناعي، مثل الرؤية الحاسوبية (Computer Vision) والروبوتات. وتستثمر الحكومات والشركات في هذه المجالات بهدف تطوير تطبيقات جديدة وتحسين القدرة التنافسية.

ومع ذلك، لا يزال هناك تحد كبير في جذب المواهب والاحتفاظ بها في أوروبا. فالعديد من الباحثين والمهندسين الموهوبين يفضلون العمل في الولايات المتحدة، حيث تتوفر فرص أفضل ورواتب أعلى.

من المتوقع أن يناقش الاتحاد الأوروبي في الأشهر المقبلة تفاصيل استراتيجيته الجديدة للذكاء الاصطناعي، والتي من المقرر أن يتم الكشف عنها بحلول نهاية عام 2024. وستحدد هذه الاستراتيجية الخطوات التي ستتخذها أوروبا لتعزيز قدراتها في هذا المجال وتقليل اعتمادها على التكنولوجيا الأمريكية. يبقى أن نرى ما إذا كانت هذه الاستراتيجية ستكون كافية لسد الفجوة التكنولوجية وتحقيق السيادة الرقمية.

شاركها.