تصاعدت حدة التوترات في بروكسل مع تهديد المجر بمضاعفة حق النقض (الفيتو) ضد قرض طارئ لأوكرانيا وحزمة عقوبات جديدة ضد روسيا، وذلك على خلفية نزاع حول خط أنابيب “دروغبا” لنقل النفط الروسي. وقد بدأت الأزمة تؤثر على قرارات الاتحاد الأوروبي الحاسمة، مما يثير تساؤلات حول آلية اتخاذ القرار داخل الكتلة الأوروبية.
في اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي الذي عقد قبيل الذكرى السنوية الرابعة للحرب الروسية على أوكرانيا، اتهم وزير الخارجية المجري بيتر سيارتو أوكرانيا بتعطيل عبور النفط الروسي الرخيص عبر خط أنابيب رئيسي يربط روسيا بالمجر لأسباب سياسية، واصفاً ما حدث بأنه “تخريب منسق” من قبل كييف وبروكسل والمعارضة المجرية.
نزاع خط أنابيب “دروغبا” والاتهامات المتبادلة
تعود جذور هذه المواجهة إلى حادث وقع في أواخر يناير، أثر على خط أنابيب “دروغبا”. ترى الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا أن الخط تعرض لأضرار جراء مسيرة روسية، مما أدى إلى انخفاض في حركة المرور الطبيعية. من جهتها، تشير أوكرانيا، التي تواجه شتاءً قاسياً وتعاني من تضرر بنيتها التحتية للطاقة، إلى أن الوضع على الأرض معقد بسبب القصف الروسي المستمر.
أكد وزير الخارجية الأوكراني، أندريي سيبيها، في اتصال عبر الفيديو خلال الاجتماع، أن جهوداً متعددة بذلت لإصلاح الأضرار. وطرح وزير خارجية لوكسمبورغ، كزافييه بيتيل، اقتراحاً بنشر مفتشين من المجر وسلوفاكيا، وهما دولتان مستوردتان للنفط الروسي، لمعاينة الهيكل المتضرر. إلا أن سيبيها أوضح أنه سيحتاج إلى الحصول على موافقة، وسيعود بالرد مباشرة إلى المجر وسلوفاكيا.
في مؤتمر صحفي لاحق، وصف سيارتو رد نظيره الأوكراني بأنه “تمتم في ارتباك”، معتبراً ذلك “فضحاً كاملاً”. وتُنكر أوكرانيا هذه الاتهامات، فيما أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن صور الأقمار الصناعية تؤكد أن الطائرات المسيرة الروسية هي مصدر الضرر. كما انتقد سيارتو رئيسة الدبلوماسية الأوروبية، كاچا كالاس، لعدم منحه الكلمة للرد مباشرة على نظيره الأوكراني، مؤكداً أن القضية سياسية، وليست فنية، وأن المجر لن تتراجع عن حق النقض ما لم تستأنف تدفقات خط أنابيب “دروغبا”.
تداعيات تعطيل قرارات الاتحاد الأوروبي
بالإضافة إلى ذلك، انضمت سلوفاكيا إلى المجر في إدانة أوكرانيا، مع تجنب ذكر روسيا في التبادلات. وبعد ساعات، أعلنت سلوفاكيا أنها ستقطع إمدادات الطاقة الطارئة لأوكرانيا كرد على ذلك. وفي غضون ذلك، تعلقت جهود الاتحاد الأوروبي لدعم مالية أوكرانيا ومعاقبة روسيا على غزوها المستمر منذ أربع سنوات. وبالنسبة للدول الأعضاء الداعمة لكييف، فقد تجاوزت بودابست الخطوط الحمراء، مما يستدعي إصلاح آلية اتخاذ القرار في الاتحاد الأوروبي لتجنب الوقوع في حلقة مفرغة من النقض.
تثير هذه الحادثة جدلاً حول المضي قدماً نحو اتخاذ القرارات بالأغلبية المؤهلة في السياسة الخارجية، وحتى النظر في تفعيل المادة السابعة من معاهدات الاتحاد الأوروبي التي تسمح بتعليق حقوق التصويت لدولة عضو. وقد وجه رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، رسالة إلى رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، محذراً من أن بلاده قد تنتهك مبدأ التعاون الصادق الذي يربط جميع الدول الأعضاء. هذا المبدأ يتطلب من جميع دول الاتحاد الأوروبي العمل معاً بحسن نية.
في ديسمبر الماضي، وافق قادة الاتحاد الأوروبي على إصدار قرض طارئ تدعمه 24 دولة عضو، باستثناء المجر وسلوفاكيا والجمهورية التشيكية، الذين تم إعفاؤهم من جميع الالتزامات المالية المتعلقة بالقرض. وفي تعليق له، صرح وزير الخارجية الليتواني، كستوتيس بودريس، لـ Euronews أن الاستخدام المستمر لحق النقض من قبل بودابست يعني أن الوضع الراهن لا يمكن أن يستمر دون تحدٍ، مشيراً إلى ضرورة مراجعة عملية صنع القرار أو صلاحيات دولة عضو واحدة لتجنب الاضطراب المستمر.
هذه التصريحات لا تعكس فقط الإحباط المتزايد من المجر، بل تكشف أيضاً عن حدود المفوضية الأوروبية، التي تعرب عن قلقها المتزايد بشأن توظيف هذه القضايا في الحملات الانتخابية داخل المجر قبل انتخابات 12 أبريل. ويشن أوربان حملة شرسة يصور فيها الزعيم الأوكراني زيلينسكي على أنه فاسد ومتعطش للمال، كما يصور بروكسل، ممثلة برئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين، على أنها تتآمر مع مرشح المعارضة بيتر ماغيار، الذي غالباً ما يوصف بأنه دمية، للاستيلاء على المجر. وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن أوربان يتأخر عن ماغيار في أخطر تحدٍ يواجهه منذ عقود.
يصور رئيس الوزراء المجري النزاع حول خط الأنابيب على أنه مسألة سيادة وطنية، ويشير إلى أن بروكسل وكييف ترغبان في رفع أسعار الطاقة لإلحاق الضرر بالمواطنين المجريين. وعند سؤالهم عن شكل التسوية المحتملة، أشار دبلوماسيون إلى عدم وجود مسار واضح إذا لم تستأنف تدفقات النفط، حيث لا تبدي بودابست أي مرونة، ولا تمتلك حافزاً قوياً لذلك في ظل حملة انتخابية شرسة. فيما تصر بروكسل على المضي قدماً في العقوبات والقرض، يرى دبلوماسيون أن مسألة الطاقة، رغم خطورتها للمجر، تُستخدم كأداة سياسية لتعزيز خطاب أوربان الانتخابي، وأن القرض أصبح “ضررًا جانبيًا” في ظل استراتيجية النقض الهادفة لأغراض أخرى.
يتجه التركيز الآن نحو المفوضية الأوروبية. يرى دبلوماسيون أن المجر تسببت في أضرار قصوى لوحدة الاتحاد الأوروبي من خلال تحرك مدروس، فبنت التوترات خلال عطلة نهاية الأسبوع وضربت اتفاقاً وافق عليه القادة قبل ساعات فقط من وصول فون دير لاين إلى أوكرانيا. يبقى السؤال ما إذا كان من الممكن تجنب هذه المتاعب في اللحظة الأخيرة لو تدخلت المفوضية في وقت مبكر، حيث تم استدعاء اجتماع لمجموعة تنسيق النفط الأسبوع الماضي فقط مع تصاعد خطاب بودابست، واقتراب الموعد النهائي غير الرسمي للموافقة على حزمة عقوبات جديدة بحلول 24 فبراير، الذي يتزامن مع الذكرى الأليمة. ومن كييف، أشارت أورسولا فون دير لاين إلى أن بروكسل لديها “خيارات وستستخدمها” لتمرير الحزمة بأي طريقة كانت.






