التنافسية والابتكار في أوروبا: بين دعم الأعمال وحقوق العمال

يُعدّ التركيز على التنافسية والابتكار حجر الزاوية لولاية أورسولا فون دير لاين الثانية لرئاسة المفوضية الأوروبية. ومع ذلك، أثارت مقترحات أُطر قانونية جديدة صديقة للأعمال، مثل “النظام الثامن والعشرون” (EU Inc) والدعوات المتكررة لرفع القيود التنظيمية، قلق بعض المراقبين الذين يرون أن حقوق العمال قد تُتجاهل أو حتى تُقوّض. في ظل المخاوف المتزايدة بشأن استبدال التكنولوجيات الجديدة للوظائف، وأزمة الإرهاق المهني، تتناول هذه المقالة التحديات والفرص التي تواجه العمال الأوروبيين.

في يوم العمال العالمي، تسلط الضوء على التحديات التي يواجهها العمال الأوروبيون في المناخ الحالي، مع استضافة خبراء لمناقشة مستقبل العمل، بما في ذلك تأثير الذكاء الاصطناعي والمتطلبات المتزايدة للقطاع الخاص.

الإرهاق المهني والتكنولوجيات الناشئة

يحتفل يوم العمال هذا العام بذكرى مئوية اقتراح هنري فورد لأسبوع العمل المكون من خمسة أيام، والذي كان له دور كبير في تحسين ظروف العمل على مدى العقود التالية. رغم هذه التحسينات، لا تزال هناك عقبات كبيرة. وتشير إستر لينش، الأمينة العامة للاتحاد الأوروبي لنقابات العمال (ETUC)، إلى “التحديات الكبيرة والخطيرة” التي تواجهنا، سواء كانت تتعلق بالذكاء الاصطناعي وعدم وجود ضمانات، أو بمستويات الإرهاق المهني الحالية، أو بالشركات التي تستغل الثغرات لتقويض الحقوق والمستحقات. وأضافت أن بعض الدول الأوروبية تتساءل حتى عن مدى أهمية يوم العمال العالمي كعطلة رسمية، مما يستدعي تجمعنا للاحتفال بانتصاراتنا والاستعداد لصراعات المستقبل.

وفيما يتعلق بمعدلات الإرهاق المهني المتزايدة، أعرب ميكيل بارسلوند، باحث في سوق العمل بجامعة KU Leuven، عن أسفه لعدم وجود بيانات موحدة حول هذه الظاهرة. وتشير بعض الدراسات إلى أن حوالي 20% من الموظفين الأوروبيين يظهرون علامات الإرهاق، بينما تقدر دراسات أخرى أن هذه النسبة تصل إلى 60%، مما يجعل من الصعب تحديد معدل الانتشار الدقيق في أوروبا وبالتالي إعاقة إيجاد الحلول. وأوضح بارسلوند أن السبب الرئيسي لصعوبة معالجة الإرهاق والتوتر المرتبط بالعمل يكمن في عدم فهمنا الكامل لهذه المشكلة، مضيفًا أن الإرهاق في تزايد عبر أوروبا، ولكننا لا نوحد الإحصاءات التي توضح ذلك.

إلى جانب ذلك، يمثل ظهور تكنولوجيات جديدة كالذكاء الاصطناعي مصدر قلق للكثير من العمال بشأن مستقبل وظائفهم. ورغم صعوبة تقييم المخاطر التي يمثلها الذكاء الاصطناعي على الوظائف الأوروبية، لفت بارسلوند الانتباه إلى المخاوف من إمكانية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي للمراقبة المتطفلة للموظفين، مما قد يؤدي إلى زيادة التوتر والإرهاق. على النقيض من ذلك، يرى كلارك بارسونز، الرئيس التنفيذي لشبكة الشركات الناشئة الأوروبية (European Startup Network)، أن الذكاء الاصطناعي يسبب “اضطرابًا هائلاً” عبر العديد من القطاعات، ولكنه يرى في التكنولوجيا أيضًا أداة أساسية للشركات الناشئة الأوروبية، مشيرًا إلى “الزيادة المذهلة في الاختراقات التكنولوجية والمختبرات الناشئة والشركات الجديدة والاستثمارات في جميع أنحاء أوروبا”.

هل حقوق العمال تتعرض للتآكل في أوروبا؟

في هذا السياق المتغير بسرعة، يرتبط اهتمام الاتحاد الأوروبي بزيادة تنافسية الصناعات ارتباطًا وثيقًا بمسألة حقوق العمال. وبينما تؤيد لينش دعم الاتحاد الأوروبي لبدء الأعمال وتوسيع نطاقها، إلا أنها ترى أن “النظام الثامن والعشرون” (EU Inc) ليس الحل لجعل أوروبا أكثر تنافسية، معتبرة أنه “سيقوّض كل حق من حقوق العمل التي يتمتع بها الجميع حاليًا في أوروبا”. ومن بين النقاط الأكثر أهمية في هذا النظام، أشارت لينش إلى إمكانية تسجيل الشركات في موقع مختلف عن موقع موظفيها، وبدء وإغلاق الأعمال بسرعة، واستخدام خيارات الأسهم بدلًا من الأجور.

على الجانب الآخر، يعتقد بارسونز أن “النظام الثامن والعشرون” سيقدم فرصة كبيرة للشركات الناشئة الأوروبية ونموها، مؤكدًا أنه عند جلوس الشركات الناشئة والنقابات للتفاوض، “سنجد الكثير من المجالات التي نتفق عليها تمامًا”. بالإضافة إلى “EU Inc”، تعبر لينش عن قلقها بشأن الحملة على النقابات العمالية. وأضافت أن “ما شهدناه في أنحاء أوروبا هو تقديم تشريعات سيئة، خاصة لمنع العمال من التجمع للاحتجاج”.

وفقًا لمؤشر الحقوق العالمي لعام 2025، انتهكت ما يقرب من ثلاثة أرباع الدول الأوروبية الحق في الإضراب، كما اعتقلت أو احتجزت نسبة تقارب الثلث من العمال. وتؤكد لينش على ضرورة “أن تكون الحكومات واضحة جدًا مع أصحاب العمل بأنها تتوقع منهم الوفاء بمسؤولياتهم، والاعتراف بالنقابة، واحترامها، وتسهيل تجمع العمال”.

تظل التحديات المتعلقة بالتوازن بين التنافسية الاقتصادية وحماية حقوق العمال محور نقاش مستمر في الاتحاد الأوروبي. وفي حين أن هناك جهودًا لتعزيز بيئة الأعمال، فإن القلق بشأن التأثير على حقوق العمال، خاصة في ظل التطورات التكنولوجية السريعة، يستدعي متابعة دقيقة للقرارات والتشريعات المستقبلية. وسيحدد استمرار الحوار بين أصحاب المصلحة، بما في ذلك النقابات والشركات والحكومات، المسار الذي ستتخذه أوروبا في هذا الشأن.

شاركها.