أعلن رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان هذا الأسبوع أن المجتمعات اليهودية أكثر أمانًا في بودابست من أي مكان آخر في أوروبا، وذلك في الوقت الذي تشير فيه بيانات من رابطة مكافحة التشهير (ADL) إلى ارتفاع حاد في حوادث معاداة السامية عبر القارة. وقد أثارت هذه التصريحات جدلاً واسعاً، خاصةً في ظل تزايد المخاوف بشأن معاداة السامية في أوروبا والعالم.
وكتب أوربان في منشور على منصة X: “المجتمعات اليهودية أكثر أمانًا في بودابست من أي مكان آخر في أوروبا. لا نتسامح مطلقًا مع معاداة السامية، ولا توجد جرائم كراهية، ولا مهاجرين عنيفين”. وأضاف: “هذا هو الشكل الذي يجب أن تكون عليه عاصمة أوروبية حديثة”. وقد تلقى هذا الادعاء دعمًا علنيًا من وزير شؤون الشتات الإسرائيلي أميخاي تشيكلي.
تصاعد معاداة السامية في أوروبا
يأتي تصريح أوربان في وقت حرج، حيث كشف تقرير صادر عن رابطة مكافحة التشهير (ADL) عن تصاعد مقلق في معاداة السامية في أوروبا. وأشار التقرير، الذي يحمل عنوان “اتخاذ إجراء: معاداة السامية تتصاعد في أوروبا”، إلى زيادة كبيرة في حوادث المضايقة والتخريب والتهديدات والاعتداءات الجسدية التي تستهدف اليهود في عدة دول أوروبية.
وقد زادت هذه الحوادث بشكل خاص بعد الهجوم الذي شنته حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023 والحرب في غزة. وأفادت المجتمعات اليهودية بزيادة التهديدات الأمنية، وشعر العديد من اليهود بعدم الأمان عند ارتداء رموز دينية مرئية في الأماكن العامة. وحذرت رابطة مكافحة التشهير من أن المؤسسات اليهودية في جميع أنحاء أوروبا تتطلب الآن حراسة أمنية مشددة وأن معاداة السامية أصبحت مقبولة بشكل متزايد في الخطاب العام.
دعم إسرائيلي لتقييم الوضع في هنغاريا
أيد تشيكلي تصريحات أوربان، مشيرًا إلى أن بودابست هي إحدى أكثر العواصم الأوروبية أمانًا وترحيبًا بالمجتمع اليهودي والمواطنين الإسرائيليين على حد سواء. وأوضح تشيكلي أن هذا يعود إلى “سياسة هجرة مسؤولة تعترف بالخطر الذي يمثله التطرف الإسلامي” و”سياسة حكومية لا هوادة فيها ضد معاداة السامية”.
كما أشار تشيكلي إلى قرار مدينة بازل السويسرية بعدم استضافة مؤتمر الشباب الصهيوني الذي يضم حوالي 200 شاب يهودي، مضيفًا أن هنغاريا وافقت على استضافة الحدث وأن وزيرًا هنغاريًا رفيع المستوى ألقى خطابًا خلاله.
هنغاريا والمجتمع اليهودي: نظرة تاريخية
تضم هنغاريا أكبر مجتمع يهودي في أوروبا الوسطى، ويقدر عدد أفراده بما يتراوح بين 80 ألفًا و100 ألف نسمة، يعيش معظمهم في بودابست. قبل الحرب العالمية الثانية، كان لدى هنغاريا أحد أكبر التجمعات اليهودية في أوروبا، ويقدر عددها بحوالي 825 ألف شخص. ومع ذلك، وبعد الاحتلال الألماني في مارس 1944، قامت السلطات الهنغارية والنازية بترحيل ما يقرب من 430 ألفًا إلى 440 ألف يهودي إلى معسكر أوشفيتز، حيث قُتل معظمهم عند الوصول.
بشكل عام، يقدر المؤرخون أن حوالي 564 ألف يهودي هنغاري قتلوا خلال الهولوكوست. وقد أثارت هذه الأحداث التاريخية المأساوية نقاشات مستمرة حول مسؤولية هنغاريا ودورها في الهولوكوست.
وقد قدم قادة يهود في هنغاريا تقييمات متباينة على مر السنين. ففي حين أشاد البعض بالحكومة لاستثمارها في ترميم الكنائس اليهودية والنصب التذكارية للهولوكوست والحياة الثقافية اليهودية، بالإضافة إلى الحفاظ على علاقات دبلوماسية وثيقة مع إسرائيل، أعرب آخرون عن قلقهم بشأن الخطاب القومي والخلافات حول الذاكرة التاريخية، وخاصة فيما يتعلق بدور هنغاريا في الهولوكوست. تعتبر قضية الحفاظ على الذاكرة جزءًا هامًا من مكافحة معاداة السامية.
تواصل الحكومة الهنغارية رفض الاتهامات بمعاداة السامية، مشيرة إلى علاقاتها الوثيقة مع إسرائيل ومعارضتها العلنية للعنف الموجه ضد اليهود. وغالبًا ما يقارن المسؤولون الهنغاريون بين بودابست والمدن الأوروبية الغربية الكبرى حيث تتطلب المؤسسات اليهودية الآن حراسة شرطية مكثفة، وحيث تحولت الاحتجاجات المرتبطة بالحرب في غزة في بعض الأحيان إلى أعمال عنف.
تشير رابطة مكافحة التشهير إلى أن الخطابات المعادية للسامية قد انتشرت الآن عبر كامل الطيف السياسي الأوروبي وعلى المنصات عبر الإنترنت، مما ساهم في خلق مناخ من الخوف حتى في البلدان التي كانت تعتبر في السابق آمنة للحياة اليهودية. هذا الانتشار يمثل تحديًا كبيرًا لجهود مكافحة التمييز ضد اليهود.
من المتوقع أن تستمر المناقشات حول معاداة السامية في أوروبا في التصاعد، خاصةً مع استمرار الحرب في غزة وتأثيرها على الخطاب العام. ستراقب رابطة مكافحة التشهير وغيرها من المنظمات المعنية عن كثب التطورات في هنغاريا وغيرها من الدول الأوروبية لتقييم فعالية التدابير المتخذة لمكافحة هذه الظاهرة المقلقة. من المرجح أن يصدر تقرير جديد من رابطة مكافحة التشهير في الربع الأخير من عام 2024 يقدم تحليلاً محدثًا للوضع.






