تحوّل فيلم “الأوديسة” من إخراج كريستوفر نولان إلى عنصر محفز لانتعاش سياحي في صقلية، حيث باتت جزيرة فافينيانا محور اهتمام عالمي بعد اختيارها كموقع لتجسيد إيثاكا في العمل. هذا التحوّل من إنجاز سينمائي إلى دافع اقتصادي يعكس ظاهرة “سياحة الشاشة” التي ترتبط بزيادة تدفقات الزائرين إلى مواقع التصوير.
أُطلق الإعلان الدعائي للفيلم في مايو/أيار، ومنذ ذلك الحين شهدت عمليات الحجز والاهتمام الإعلامي ارتفاعاً ملحوظاً؛ بحسب تقارير نشرتها مجلة فارايتي وصحف إيطالية أخرى، فإن صقلية قد تحصل على فوائد اقتصادية وسياحية ملموسة جراء هذا الزخم.
سياحة الشاشة وأثر فيلم “الأوديسة”
مصطلح سياحة الشاشة يشير إلى انتقال المشاهدين من مقاعد السينما إلى مواقع التصوير الفعلية سعياً لتجربة ما شاهدوه على الشاشة. وفي حالة “الأوديسة” تبدو المعطيات مبشرة: شكّل الاعتماد على مواقع طبيعية حقيقية في سبع دول، ومن بينها صقلية واليونان والمغرب وآيسلندا، عنصراً مركزياً في جذب أنظار الجمهور إلى المواقع التي ظهرت في الفيلم.
بحسب بيانات متاحة ونقل عن رئيس لجنة صقلية للأفلام، نيكولا تارانتينو، من المتوقع أن يقود الفيلم موجة زوار جديدة، لا سيما من الولايات المتحدة والأسواق الأوروبية. وتؤكد منظمة الأمم المتحدة للسياحة أن الأعمال السينمائية والتلفزيونية أصبحت أداة فعّالة في التسويق للأماكن السياحية.
صقلية وجزيرة فافينيانا كمحور سياحي
اختيار نولان لقلعة سانتا كاترينا ومتنزّهات وشواطئ فافينيانا لتصوير مشاهد من الفيلم وضع الجزيرة الصغيرة في مقدمة الخرائط السياحية. في المقابل، شهدت منصات الحجز مثل إير بي إن بي زيادة في الإعلانات التي تروّج للإقامة على الجزيرة كقاعدة لاستكشاف مواقع التصوير.
وافيناينا، أكبر جزر الأرخبيل الإيغادي قبالة الساحل الغربي لصقلية، استُخدمت لتجسيد جزيرة إيثاكا، بينما شُيدت عناصر مشهدية مثل مزرعة خنازير ومنزل الراعي لخدمة أحداث الفيلم، ما عزّز من القيمة التجريبية للزيارة. علاوة على ذلك، أعادت هذه الزيارة الاهتمام بتراث الجزيرة الطبيعي والثقافي، وفق ما أفاد مسؤولون محليون.
أرقام اقتصادية وردود محلية
يُعد “الأوديسة” أكبر عمل في مسيرة نولان من حيث الميزانية، إذ بلغت تكاليف الإنتاج نحو 250 مليون دولار، واستفاد الفيلم تجارياً حيث تجاوز إيراداته العالمية 639 مليون دولار بعد أسبوعين من العرض الأول، بحسب تقارير دور العرض وتحليلات السوق.
من الناحية السياحية، نقلت صحيفة لا ريبوبليكا عن تقديرات تشير إلى أن فافينيانا قد تحقق نحو 287 مليون دولار خلال ثلاث سنوات، وأن العائد على المدى الطويل قد يتجاوز 500 مليون دولار إذا استمرّ الإقبال. للمقارنة، قدّر تأثير تصوير الموسم الثاني من مسلسل “ذا وايت لوتس” في تاورمينا بنحو 158 مليون دولار.
توقّعات السلطات المحلية
أفاد مسؤولون في لجنة صقلية للأفلام أن استراتيجيات الترويج الحالية ستُعزّز من استفادة المناطق الصغيرة من النشاط السياحي المتزايد، فيما تعمل بلديات محلية على خطط لضمان استدامة الفوائد وتقليل الآثار السلبية، مثل الضغط على البنية التحتية والموارد الطبيعية.
فرص وتحديات أمام سياحة الشاشة في صقلية
رغم التفاؤل، تواجه صقلية تحديات عملية متعددة: الحاجة لتطوير الموانئ والاتصالات والنقل بين الجزر، وإدارة سلاسل الإقامة والأسعار، والحفاظ على المواقع التاريخية من التدهور. من ناحية أخرى، تفتح تجربة “الأوديسة” فرصاً لخلق وظائف موسمية ودائمة في قطاع الضيافة والإرشاد السياحي والخدمات الإعلامية.
تدرك السلطات أن تحويل النجاح السينمائي إلى أثر مستدام يتطلّب سياسات متكاملة تشمل تحسين البنية التحتية، وتدريبات للعاملين في السياحة، وبرامج ترويجية مشتركة مع شركات السفر، بالإضافة إلى مقاربات تحفظ الهوية الثقافية والبيئية للجزيرة.
ماذا يتوقع القادم؟
في الأمد القريب، من المتوقع أن تستمر معدلات الحجز والتدفقات السياحية إلى فافينيانا خلال موسم الصيف، بينما تراقب المؤسسات المحلية والمؤسسات السياحية تأثير هذه الحركة على الاقتصاد المحلي. على المدى المتوسط، ستعتمد النتائج النهائية على سياسات الإدارة المحلية والتنسيق مع الوكالات الوطنية والدولية.
ينبغي متابعة مؤشرات مثل أعداد الزوار الشهرية، متوسط مدة الإقامة، وإيرادات قطاع الضيافة خلال الأشهر والسنوات القادمة لقياس مدى تحقيق التوقعات الاقتصادية. كما سيكون من المهم مراقبة أي مبادرات حكومية جديدة لدعم تصوير الإنتاجات الأجنبية وتحويلها إلى رافعة للتنمية.






