بين عودة خطوط الشحن الكبرى إلى قناة السويس، وأزمة دولار تُربك حياة المصريين اليومية، وزيارة دبلوماسية تعيد رسم خريطة العلاقات في شمال أفريقيا، حملت آخر أخبار الاقتصاد هذا الأسبوع مؤشرات متعددة على أن مسارات التجارة والسياسة في المنطقة ما زالت مرتبطة ارتباطاً مباشراً بالتوترات الجيوسياسية المحيطة بها.

ميرسك تعيد خدمة أخرى إلى البحر الأحمر

أعلنت مجموعة «ميرسك» الدنماركية للشحن استئناف الإبحار عبر البحر الأحمر لخدمة أخرى من خدماتها، ضمن مسار العودة التدريجية لاستخدام قناة السويس كطريق مختصر بين آسيا وأوروبا. الخدمة المعنية، المعروفة باسم «WAF6» والتي تديرها الشركة حصرياً، تربط الشرق الأوسط بمنطقة البحر الأبيض المتوسط وغرب أفريقيا. وكانت معظم شركات الشحن قد تخلّت عن هذا الممر بعد هجمات الحوثيين في البحر الأحمر، ما أجبر السفن على سلوك طريق أطول بكثير حول رأس الرجاء الصالح في أفريقيا؛ لكن «ميرسك» بدأت مؤخراً، ومعها شركات أخرى، العودة التدريجية إلى القناة، بعد أن أعلنت الخميس الماضي استئناف رحلاتها بين الشرق الأوسط والساحل الشرقي للولايات المتحدة عبر الممر نفسه.

الجنيه المصري يترنح مجدداً أمام الدولار

في المقابل، عاد سعر صرف الدولار في مصر ليتخطى حاجز الـ50 جنيهاً، مع تجدد الهجمات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران. فقبل اندلاع الحرب الإيرانية نهاية فبراير الماضي، كان الدولار يتداول عند نحو 47 جنيهاً، ثم قفز إلى مستويات قياسية تجاوزت 54 جنيهاً مع استمرار الحرب، قبل أن يتراجع إلى ما دون 49 جنيهاً عقب وقف إطلاق النار في أبريل، ليعاود الارتفاع الآن مجدداً.

رأي الخبراء الاقتصاديين

يرى الخبير الاقتصادي رشاد عبده أن «لا أمل حالياً في انخفاض أسعار السلع»، موضحاً أن الدولار «لا يتذبذب بل يرتفع؛ فانخفاضه من وقت لآخر يكون بنسبة صغيرة جداً». ويربط عبده استمرار ضعف الجنيه بحساسية الاقتصاد المصري المفرطة لأي توتر إقليمي، نظراً لاعتماده على عوائد سريعة التأثر كالسياحة والاستثمارات، إلى جانب اعتماد الصناعة المحلية على استيراد الجزء الأكبر من مستلزمات الإنتاج. من جهته، يربط الخبير كريم العمدة عودة صعود الدولار مباشرة بتجدد الضربات الأميركية الإيرانية خلال الأسبوع الماضي، متوقعاً أن يعاود الدولار الانخفاض عند انتهاء التوترات، لكن «إلى مستويات سابقة بين 47 و49 جنيهاً فقط»، دون أن يعني ذلك تراجعاً حقيقياً في الأسعار المرتفعة أصلاً.

كيف ينعكس ذلك على حياة المصريين؟

تروي نجوى سالم، الموظفة الحكومية الخمسينية، أنها توقفت عن شراء الأجهزة الكهربائية اللازمة لزواج ابنتيها انتظاراً لتراجع الدولار، «لكن يبدو أنه لا الدولار سينخفض ولا أسعار الأجهزة ستنخفض». أما إبراهيم عبد الرحمن، الثلاثيني الذي يعمل في شركة خاصة، فيقول إنه يحتاج منذ أكثر من عامين إلى تغيير هاتفه وحاسوبه المحمول، لكن استمرار ارتفاع الدولار رفع أسعار الأجهزة بشكل كبير. في المقابل، أعلن البنك المركزي المصري ارتفاع صافي احتياطياته من النقد الأجنبي إلى 55.07 مليار دولار في يونيو، وأن تحويلات المصريين العاملين بالخارج ارتفعت بنسبة 31.2 في المائة لتصل إلى نحو 43.1 مليار دولار خلال الفترة من يوليو 2025 إلى مايو 2026.

إسبانيا والجزائر: صفحة جديدة بعد سنوات من التوتر

على الجانب السياسي، الذي يرتبط بدوره بمسارات التجارة والطاقة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، من المقرر أن يزور رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الجزائر الاثنين المقبل، في أول زيارة له منذ أربع سنوات، يُتوقع أن تُسهم في استكمال مسار تطبيع العلاقات بين البلدين.

خلفية الأزمة الدبلوماسية

توترت العلاقات بين مدريد والجزائر بعد إعلان إسبانيا دعمها للمقترح المغربي بشأن الصحراء الغربية، في تحول أنهى سياسة الحياد الإسبانية التاريخية تجاه هذا الملف. ردّت الجزائر حينها بتعليق معاهدة الصداقة الموقعة عام 2002، وفرضت قيوداً على المبادلات التجارية مع إسبانيا، قبل أن تبدأ العلاقات التجارية تشهد انفراجاً تدريجياً اعتباراً من عام 2025.

قراءة اقتصادية مترابطة

الأحداث الثلاثة، رغم اختلاف طبيعتها، تعكس صورة واحدة: اقتصادات المنطقة ما زالت مرهونة بدرجة كبيرة لتوترات جيوسياسية خارجة عن سيطرتها المباشرة، سواء تعلق الأمر بأمن الملاحة في البحر الأحمر، أو بسعر صرف عملة محلية يتأثر بحرب في الخليج، أو بملف إقليمي دبلوماسي عمره عقود.

في الختام

سواء كان الحديث عن سفينة تعبر قناة السويس، أو مصري يؤجل شراء جهاز منزلي، أو رئيس حكومة يزور الجزائر، فإن هذه الأحداث تصب جميعها في نهر واحد: اقتصاد إقليمي يتحرك بحذر بين فرص الانفتاح ومخاطر التصعيد. أي هذه الملفات تعتقد أنه سيحمل الأثر الأكبر على حياتك اليومية خلال الأشهر المقبلة؟

شاركها.