بلاك بيري: الشبح الذي يقود السيارات الذكية ويثبت عودتها

في تحول مثير يعكس ديناميكيات التكنولوجيا المتغيرة، تعود شركة بلاك بيري الكندية، التي بدت وكأنها طي النسيان مع صعود هواتف آيفون وأندرويد، لتبرز مجددًا ليس كصانعة هواتف، بل كقوة تقنية محورية تدير أنظمة القيادة الآمنة في ملايين السيارات حول العالم. بعد أن تقلصت قيمتها السوقية بشكل كبير، تستمد الشركة حياتها الجديدة من نظام تشغيل “كيو إن إكس” (QNX)، الذي أصبح العمود الفقري للسلامة والابتكار في صناعة السيارات الحديثة.

كانت بلاك بيري، التي كانت يومًا ما رائدة الهواتف المحمولة، تعاني من انحدار حاد بعد دخول آبل وأندرويد سوق الهواتف الذكية، لتتحول من قيمة سوقية بلغت 83 مليار دولار إلى ما يقرب من 3 مليارات دولار. لكن بينما بدا أن الشركة قد اختفت، فقد تمكنت من خلال تبنيها السابق لقطاع “كيو إن إكس” من بناء مستقبل جديد لا يمكن الاستغناء عنه.

الشبح الذي يقود السيارات الذكية

وفقًا لتقرير صادر عن موقع “تي إس 2 تيك” (TS2 Tech)، فإن أنظمة “كيو إن إكس” التي تطورها بلاك بيري تتحكم حاليًا في منظومات القيادة الآمنة لأكثر من 275 مليون سيارة على مستوى العالم. وقد شهدت أسهم الشركة انتعاشًا ملحوظًا، مع نمو يصل إلى 50% في الشهر الماضي، مدفوعة بالطلب المتزايد على هذه الأنظمة الحساسة داخل السيارات الحديثة.

تُعتبر منظومة “كيو إن إكس” بمثابة “العقل الآمن” للسيارات الذكية، حيث تدير الوظائف الحيوية مثل أنظمة المكابح، مراقبة الطريق، والمحرك، بالإضافة إلى كونها الأساس الذي تبنى عليه أنظمة الترفيه والقيادة الذكية. هذا الاعتماد المتزايد جعل من بلاك بيري لاعباً أساسياً في مشهد التكنولوجيا المدمجة.

جون جياماتيو الرئيس التنفيذي لشركة بلاك بيري: “قصة الشركة الآن قصة نمو” (رويترز)

يشير تقرير موقع “أكسيس نيوز واير” (Access Newswire) الكندي إلى أن شركات تصنيع سيارات عالمية كبرى مثل “بي إم دبليو”، “مرسيدس”، “هوندا”، “هيونداي”، و”فولكس فاغن” تعتمد على أنظمة “كيو إن إكس”، مما يعزز مكانتها كأفضل نظام في قطاع أنظمة الأمان الفعالة في السيارات. وقد ارتفع عدد السيارات التي تستخدم هذه المنظومة من 100 مليون في عام 2020 إلى 275 مليون مع نهاية عام 2025، وفقًا لـ “وول ستريت جورنال”.

لذلك، بغض النظر عن تنوع أنظمة الترفيه والقيادة لدى الشركات المختلفة، فإن النواة المشتركة التي تضمن الاتصال بين الأنظمة الميكانيكية والذكية للسيارة هي نظام “كيو إن إكس” من بلاك بيري.

ما هو نظام “كيو إن إكس” حقًا؟

يُصعب تعريف نظام “كيو إن إكس” كمنتج واحد، فهو عبارة عن منظومة متكاملة تجمع بين عدة مكونات برمجية تعمل بتناغم. يمكن وصفه بأنه “نظام تشغيل في الوقت الفعلي”، يقوم بجمع البيانات من مستشعرات السيارة، ومعالجتها، ونقلها إما للمستخدم عبر واجهات السيارة الترفيهية، أو استخدامها في أنظمة مساعدة السائق المتقدمة (ADAS).

أنظمة “بلاك بيري” الكندية أصبحت معيارا ذهبيا في الاعتمادية والدقة في السيارات (رويترز)

ما يميز “كيو إن إكس” ليس قدرته على فعل ما لا يستطيع الآخرون، بل كفاءته العالية التي جعلته الخيار المفضل لمصنعي السيارات. تتميز المنظومة بالدقة الفائقة والاستجابة السريعة خلال أجزاء من الثانية، مما يجعلها تتفوق على أنظمة أخرى قد تواجه أعطالاً تعطل عملها.

إن الموثوقية العالية لنظام “كيو إن إكس” أمر بالغ الأهمية، خاصة وأن أي خلل في أنظمة القيادة الآمنة قد يؤدي إلى عواقب وخيمة.

نظام لا يتعطل إلا إذا أطلقت النار عليه

ورد في تقرير “وول ستريت جورنال” عن أحد مستخدمي النظام قوله: “الطريقة الوحيدة لإيقاف النظام هي إطلاق النار على حاسوب السيارة”، مما يعكس مدى الجودة والمتانة التي تتمتع بها المنظومة. هذه الموثوقية جعلت “كيو إن إكس” الخيار الأول للشركات التي تبحث عن أعلى مستويات الأمان والدقة.

أنظمة “كيو إن إكس” تستخدم في أكثر من 275 مليون سيارة حول العالم (أسوشيتد برس)

نتيجة لذلك، امتد استخدام نظام “كيو إن إكس” ليشمل قطاعات أخرى غير السيارات، مثل المستشفيات التي تعتمد عليه لإدارة غرف العمليات والروبوتات الجراحية والأجهزة الطبية الحساسة، حسب تقرير “وول ستريت جورنال”.

العودة من الموت

يبدو أن بلاك بيري قد عادت بقوة من حافة الإفلاس. أظهر التقرير المالي الأخير للشركة، بحسب موقع “إكس تي بي” (XTB) الاقتصادي، تحقيق أرباح بلغت 156 مليون دولار في الربع المالي الرابع، بزيادة تقارب 10% عن العام الماضي. هذا الأداء غير المتوقع يغير نظرة المحللين من التشاؤم إلى التفاؤل بمستقبل الشركة.

يمثل هذا التحول الاستراتيجي لبلاك بيري قصة نجاح في عالم التكنولوجيا، حيث تخلت عن ماضيها في عالم الهواتف لتصبح مزوداً لتقنية لا غنى عنها. وبينما كانت الشركة تعاني في سنوات سابقة، فإن مستقبلها يبدو واعدًا بفضل نظام “كيو إن إكس”، الذي يتوقع أن يزداد الطلب عليه مع تطور السيارات ذاتية القيادة والسيارات الكهربائية.

في هذا السياق، صرح الرئيس التنفيذي لبلاك بيري، جون جياماتيو، للمستثمرين بأن “قصة بلاك بيري الآن قصة نمو”، وهو ما يعكس ثقة الشركة في المسار الجديد الذي تخطوه.

شاركها.