يشير تقرير حديث لصندوق النقد الدولي إلى تدهور كبير في الآفاق الاقتصادية لأوروبا، مدفوعًا باضطرابات الطاقة المتصلة بالنزاعات، والتي يُتوقع أن تفرض ظروفًا مالية أكثر تشديدًا. على الرغم من صمود الاقتصاد الأوروبي، إلا أنه بات أكثر عرضة للصدمات الخارجية، لا سيما في ظل أزمة الطاقة التي تفاقمت بسبب التوترات الجيوسياسية. يؤكد التقرير على الحاجة الملحة لإصلاحات سريعة، تتضمن إتمام السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي عبر ربط أفضل لشبكات الطاقة، وتعميق التكامل المالي، وتعزيز الإنتاجية.

ارتفعت أسعار النفط بنحو 70%، فيما لا تزال أسعار الغاز الأوروبي أعلى بحوالي 45% من مستوياتها قبل اندلاع الأزمة. وعلى الرغم من أن هذه الزيادات أقل حدة من صدمة عام 2022، إلا أن صندوق النقد الدولي يحذر من أنها ستثقل كاهل النمو الاقتصادي. وعلى الرغم من أن التحول طويل الأمد لأوروبا نحو مصادر الطاقة المتجددة، والتي تمثل الآن أكثر من نصف توليد الكهرباء، قد خفف من وطأة صدمة الطاقة، إلا أن التقرير يشير إلى أن هذا التحول يوفر حماية جزئية فقط.

تدهور الآفاق الاقتصادية لأوروبا ومخاطر الركود

تم تخفيض توقعات النمو، حيث من المتوقع الآن أن ينمو الاقتصاد في منطقة اليورو بنسبة تزيد قليلاً عن 1% في عام 2026، بانخفاض عن حوالي 1.4% قبل اندلاع الأزمة الحالية. في الوقت نفسه، لا يزال التضخم مرتفعًا، مما يعكس الضغوط المستمرة على التكاليف الناتجة عن الطاقة واضطرابات سلاسل الإمداد. يعتمد التنبؤ الاقتصادي على التطورات الجيوسياسية، حيث يحذر الصندوق من أن أي صراع قصير في الشرق الأوسط قد يحد من الأضرار، لكن استمرار الأزمة قد يدفع أوروبا نحو الركود.

قال مفوض الاقتصاد فالديس دومبروفسكيس في مؤتمر صحفي أن التأثير الاقتصادي الإجمالي سيعتمد على تطور الصراع في الشرق الأوسط، لا سيما فيما يتعلق بإمدادات الطاقة والبنية التحتية. وحذر دومبروفسكيس من أن الكتلة الأوروبية لا يمكنها تحمل تكرار أخطاء الماضي، مشددًا على ضرورة أن تكون أي إجراءات دعم مؤقتة ومستهدفة ولا تزيد الطلب الكلي. كانت أوروبا تعاني بالفعل من ارتفاع أسعار الطاقة قبل أن تبدأ الاضطرابات في أسواق الطاقة العالمية.

الصناعة الأوروبية تحت الضغط

كانت الصناعة الأوروبية تدفع ما بين ضعفين إلى ثلاثة أضعاف ما تدفعه المنافسون في الولايات المتحدة والصين للحصول على الطاقة. ويعكس هذا الفارق المستمر ضعفًا هيكليًا بدلاً من اختلال مؤقت، وفقًا لتقرير صندوق النقد الدولي. في ظل هذه الظروف، يعد الحفاظ على زخم إصلاح الطاقة أمرًا بالغ الأهمية.

إصلاحات الطاقة والاقتصاد: توصيات صندوق النقد الدولي

يحث تقرير صندوق النقد الدولي الاتحاد الأوروبي على الالتزام بسوق الكربون الخاص به، نظام تداول الانبعاثات (ETS)، الذي كان على وشك الانهيار ولكنه يُنظر إليه من قبل الصندوق على أنه يدعم التقدم المستمر في تبني طاقة الرياح والطاقة الشمسية. ويحذر التقرير من أن التخلي عن نظام تداول الانبعاثات قد يعرض التقدم الذي تم إحرازه بشق الأنفس في مجال إزالة الكربون للخطر.

بالإضافة إلى ذلك، يجب على أوروبا إكمال سوقها الداخلية للطاقة، حيث يعتبر حزمة الشبكات التي اقترحتها المفوضية في ديسمبر الماضي “خطوة مهمة”. وتعتبر شبكة الكهرباء المحدثة وأنظمة التخزين أمرًا حاسمًا لنجاح الاتحاد الأوروبي في انتقاله للطاقة، وستكون محور عملية صنع السياسات في الكتلة، وربما المشاحنات السياسية، خلال الأشهر المقبلة، حيث طلبت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين من البرلمان والمجلس التوصل إلى اتفاق سياسي بشأن مقترح الشبكات بحلول الصيف.

مخاطر “المفضلة الأوروبية”

يشير تقرير صندوق النقد الدولي أيضًا إلى “قانون مسرّع الصناعة” المقترح من قبل المفوضية، والذي يحتوي على تدابير مفيدة، بما في ذلك الجهود المبذولة لتنويع سلاسل التوريد. ومع ذلك، يحذر التقرير أيضًا من أن قواعد المشتريات “صنع في أوروبا” وشروط الاستثمار الأجنبي المرتبطة بإنشاء قيمة محلية يمكن أن تشوه الأسواق وتضعف الميزة النسبية. يحمي حماية الصناعات الاستراتيجية هدف مشروع، وفقًا لصندوق النقد الدولي، ولكن يجب أن يسترشد بتحليل التكاليف والفوائد المنضبط.

تختلف أدوات السياسة بشكل كبير من حيث الكفاءة والتكلفة، ويجب أن تقتصر التدخلات على الحالات التي لا تستطيع فيها الأسواق وحدها التكيف بفعالية. كما يحذر التقرير من الأخطاء السياسية الشائعة، مشيرًا إلى أن تخفيف قواعد المنافسة، أو متابعة استراتيجيات صناعية غير منسقة، أو تقليص الالتزامات المناخية يمكن أن يضعف في نهاية المطاف مكانة أوروبا بدلاً من تعزيزها.

يتوقف الأفق الاقتصادي لأوروبا على تطور النزاعات الجيوسياسية. تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن انتهاء الصراع في الشرق الأوسط بسرعة قد يخفف من حدة التأثير السلبي، ولكن استمراره قد يدفع الاقتصادات الأوروبية نحو الركود. من المتوقع أن يكون التدبير الرئيسي القادم هو توصل المشرعين الأوروبيين إلى اتفاق سياسي حول مقترح شبكات الطاقة بحلول الصيف، وهو ما سيوضح مسار دعم الاتحاد الأوروبي لانتقاله الطاقي.

شاركها.