برعاية الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس، تتجه قيادة الاتحاد الأوروبي نحو بلورة مفهوم واضح للمادة 42.7 من معاهدة الاتحاد الأوروبي، المعروفة بـ “بند الدفاع المشترك”، وتحديد آليات تفعيلها لتعزيز أمن التكتل. هذا المسعى، الذي بدأ كنقاش سياسي، انتقل إلى هياكل الاتحاد الرسمية، حيث نوقشت القضية يوم الاثنين الماضي في اجتماع مغلق للجنة السياسية والأمنية، وهي هيئة سفراء مسؤولة عن الشؤون الخارجية والأمنية، وفقًا لعدة مسؤولين في الاتحاد الأوروبي.
أكد أحد هؤلاء المسؤولين لـ “يورونيوز” عقد الاجتماع، لكنه رفض تقديم المزيد من التفاصيل، واصفًا إياه بأنه “تمرين سري”. تنص المادة 42.7 من معاهدة الاتحاد الأوروبي على أنه في حال تعرضت دولة عضو “لعدوان مسلح” على أراضيها، فإن الدول الأعضاء الأخرى ملزمة بتقديم “المساعدة والمساندة”.
الدفاع المشترك في الاتحاد الأوروبي: نحو تفعيل بند المادة 42.7
بدأت المناقشات المتعلقة بتفعيل بند الدفاع المشترك للاتحاد الأوروبي بشكل جدي عقب تصريحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب التي تضمنت تهديدات بشراء جزيرة جرينلاند، وعدم استبعاده لسيناريو الاستيلاء عليها بالقوة. أثارت هذه التصريحات جرس الإنذار في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وبين دول الاتحاد الأوروبي، نظرًا لأن جرينلاند هي إقليم يتمتع بالحكم الذاتي ضمن مملكة الدنمارك.
رفع الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس هذه المناقشات إلى مستوى أعلى الشهر الماضي خلال اجتماع غير رسمي للقادة الأوروبيين في العاصمة القبرصية نيقوسيا. جاء هذا الاجتماع بعد شهر واحد من تعرض قاعدة عسكرية بريطانية في الجزيرة المتوسطية لضربة بطائرة مسيرة يُعتقد أنها إيرانية الصنع.
وأوضح خريستودوليدس أن المادة 42.7 تحتاج إلى توضيح كامل، من البداية إلى النهاية. وتساءل: “لنفترض أن فرنسا استدعت تطبيق المادة. أي الدول يجب أن تكون الأولى في الاستجابة؟ ما هي احتياجات تلك الدولة؟ سيتم وضع كل ذلك في مخطط، لتكون هناك خطة تشغيلية يمكن تفعيلها إذا استدعت دولة ما تطبيق المادة.”
تزامنت تصريحات خريستودوليدس مع ما ذكره رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، في رسالة دعوته لحضور القمة، حيث أشار إلى أن “البيئة الجيوسياسية والأمنية الصعبة” ستتم مناقشتها فيما يتعلق بالمادة 42.7. كما تعمل دائرة العمل الخارجي الأوروبي، التي ترأس التمرين، على إعداد تقرير يوضح كيفية عمل هذه الآليات.
سيناريوهات محاكاة وهواجس أمنية
عند سؤالها من قبل “يورونيوز” حول السيناريوهات المحددة التي يتم بحثها يوم الاثنين، لم تكشف المفوضة الأوروبية للشؤون الخارجية، أنيتا هيبر، عن تفاصيل. وأكدت أن المفوضة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، كايا كالاس، قد صرحت سابقًا بأن المناقشات مستمرة، وأن التركيز يوم الاثنين سينصب على “كيفية دعم الدول الأعضاء وتطبيق بند المساعدة المتبادلة”.
أوضحت كالاس سابقًا لـ “يورونيوز” أن تفعيل بند الدفاع الجماعي في المعاهدة لا يتعارض مع المادة 5 من حلف شمال الأطلسي، والتي تنص على أن الهجوم على عضو واحد هو هجوم على جميع الأعضاء الـ 32. كما أشارت إلى أن التمرين سيغطي ثلاثة سيناريوهات.
السيناريو الأول يتضمن هجومًا محاكى على دولة عضو في الاتحاد الأوروبي ليست عضواً في حلف الناتو، مثل النمسا، قبرص، أيرلندا، ومالطا. السيناريو الثاني هو هجوم على دولة عضو في كل من الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، لرصد كيفية توافق بنود المعاهدات. أما السيناريو الأخير فيشمل هجومًا يقع تحت عتبة الحلف بسبب طبيعته الهجينة.
وأضافت كالاس: “هناك ركيزة أوروبية قوية جدًا في حلف الناتو، وهي موجودة بالفعل وأصبحت أقوى الآن لأننا جميعًا نستثمر المزيد في دفاعنا.”
السابقة التاريخية والاستعداد المستقبلي
لم يتم تفعيل بند الدفاع المشترك للاتحاد الأوروبي سوى مرة واحدة في التاريخ، وذلك في عام 2015 عندما استدعت فرنسا المادة 42.7 عقب الهجمات الإرهابية في باريس. استجابت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لهذا الطلب بالإجماع، مقدمةً دعمًا في مجال تبادل المعلومات والمساعدة اللوجستية.
تأتي هذه المناقشات والتمرين الحالي في وقت تتزايد فيه التوترات الجيوسياسية، مما يبرز أهمية وضوح وتفعيل آليات الدفاع المشترك داخل الاتحاد الأوروبي. الخطوات القادمة ستتمثل في ترجمة التوصيات المستقبلية التي ستنبثق عن هذه المناقشات إلى خطط عمل قابلة للتطبيق، بهدف ضمان فعالية بند الدفاع المشترك في مواجهة التحديات الأمنية المستقبلية.






