شهدت جنوب أفريقيا مؤخرًا سحب مسودة سياستها الوطنية للذكاء الاصطناعي، والتي كان من المقرر أن تدخل مرحلة التشاور العام حتى 10 يونيو/حزيران المقبل. لم يكن هذا الإجراء مجرد سابقة إجرائية، بل جاء نتيجة لاكتشاف أن الوثيقة اعتمدت على مراجع أكاديمية مفبركة، من المحتمل أن تكون قد تم إنشاؤها باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي نفسها التي كان من المفترض أن تنظمها. وقد اعترف وزير الاتصالات والتكنولوجيا الرقمية، سولي ملاتسي، بأن إدراج اقتباسات مولدة بالذكاء الاصطناعي دون تحقق بشري كافٍ يمثل خللاً جوهريًا. هذا الحادث يسلط الضوء على التحديات التي تواجه القارة الأفريقية في سباق تنظيم التقنيات المتسارعة، وخصوصًا فيما يتعلق بإدارة تداعيات الذكاء الاصطناعي.

وفي تصريح لافت، أكد ملاتسي أن سحب المسودة جاء بعد اكتشافها تتضمن استشهادات وهمية. كما نقلت صحيفة “تايمز لايف” عن رئيسة لجنة الاتصالات في البرلمان، كوسيلا ديكو، قولها إن استمرار التشاور بشأن وثيقة تتضمن مثل هذه الثغرات يضرب مصداقيتها من الأساس. تتجاوز هذه الحادثة مجرد إحراج تقني، لتطرح تساؤلات أعمق حول مكانة القارة الأفريقية في سياق تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي التي تعيد تشكيل الاقتصادات والمجتمعات العالمية.

وزير الاتصالات والتكنولوجيا الرقمية في جنوب أفريقيا سولي ملاتسي (رويترز)

طموح قاري بمسار متعثر

في خطوة تعكس طموحًا قاريًا، اعتمد المجلس التنفيذي للاتحاد الأفريقي في يوليو/تموز 2024، خلال دورته الخامسة والأربعين التي انعقدت في أكرا، “الإستراتيجية القارية للذكاء الاصطناعي”. تستند هذه الاستراتيجية إلى 15 مبدأ أخلاقيًا مستلهمًا من فلسفة “أوبونتو” الأفريقية، وذلك بهدف توجيه تطوير واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في القارة. وقد عزز هذا التوجه إعلان كيغالي في أبريل/نيسان 2025، الذي وقعت عليه 49 دولة أفريقية، مؤكداً على أهمية التعاون في هذا المجال.

بيد أن ورقة بحثية نُشرت في أكتوبر/تشرين الأول 2025 على موقع “ريسيرتش غيت” سلطت الضوء على ما أسمته “مفارقة التنمية والحوكمة”. فقد أشارت الورقة إلى أن الأطر القارية الطموحة تواجه قيودًا تنفيذية حادة. ووفقًا لبيانات الاتحاد الأفريقي نفسه، تركز ما نسبته 83% من تمويلات الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي خلال الربع الأول من العام 2025 في أربع دول فقط: كينيا، نيجيريا، جنوب أفريقيا، ومصر. بالإضافة إلى ذلك، تخصص معظم الحكومات الأفريقية أقل من 0.1% من ناتجها المحلي الإجمالي للقطاع الرقمي بأكمله، بينما تتجاوز نسبة الديون إلى الناتج المحلي الإجمالي 60% في معظم دول جنوب الصحراء. هذه الأرقام تعكس التحديات المالية والبنية التحتية التي تواجه القارة في تبني وقيادة ابتكارات الذكاء الاصطناعي.

نموذجان متنافسان في الأفق

على النقيض من النهج الأفريقي، اعتمد الاتحاد الأوروبي نموذجًا تنظيميًا “أفقيًا” يقوم على تصنيف أنظمة الذكاء الاصطناعي وفقًا لدرجة المخاطر المرتبطة بها. فقد حظر الاتحاد تطبيقات معينة، مثل أنظمة التقييم الاجتماعي، وفرض اشتراطات صارمة على التطبيقات “عالية الخطورة” قبل السماح بطرحها في السوق الأوروبية. وقد دخلت الأحكام الأكثر تشدداً حيز التنفيذ تدريجياً منذ فبراير/شباط 2025، ومن المتوقع أن تستكمل في أغسطس/آب 2026، وفقًا لما رصدته وحدة “إيه آي ووتش” التابعة لمكتب المحاماة الدولي “وايت آند كيس”.

في سياق متصل، انتهجت الصين مقاربة “عمودية” تتوزع على قطاعات وأنواع تطبيقات محددة. فقد أصدرت لوائح خاصة بخوارزميات التوصية في عام 2022، ولوائح “التركيب العميق”، وأحكامًا تتعلق بـ “الذكاء الاصطناعي التوليدي” في عام 2023. وفي سبتمبر/أيلول 2025، فرضت بكين إلزامية وضع علامة “صنع بالذكاء الاصطناعي” على جميع المحتويات المولدة بهذه التقنية، بحسب ما توثقه ورقة بحثية صادرة عن جامعة فريي في أمستردام. وقد أشارت دراسة أخرى نشرتها مجلة “روايال سوسايتي أوبن ساينس” في فبراير/شباط الماضي إلى فجوة واسعة بين الأنشطة التنفيذية الموثقة في أوروبا وغياب توثيق مماثل للإنفاذ في الصين، مما يعكس اختلافًا في مستوى الشفافية والتطبيق.

لماذا تتعثر أفريقيا؟

تكشف حادثة جنوب أفريقيا، التي تُعد من الدول الرائدة في القارة في صياغة السياسات التكنولوجية، عن ثلاث عقبات بنيوية رئيسية تعيق بناء إطار قاري متماسك لتنظيم الذكاء الاصطناعي:

  • أولاً: ضعف القدرات الداخلية للحكومات. فقد دعا الوزير ملاتسي، حسب صحيفة “آي أو إل” المحلية، إلى “إشراف بشري يقظ” على استخدامات الذكاء الاصطناعي، وهو تصريح يعكس الحاجة إلى تعزيز الكفاءات البشرية المتخصصة داخل الإدارات الحكومية للتعامل مع هذه التقنيات المتقدمة.
  • ثانياً: انعدام التمويل المستدام. تشير الورقة البحثية المنشورة على موقع “ريسيرتش غيت” إلى أن احتياجات القارة في قطاع الذكاء الاصطناعي تقدر بـ 500 مليار دولار. ومع ذلك، يظل تمويل القطاع الخاص أقل بكثير من المطلوب، مما يفسر اعتماد الاستراتيجية القارية على شركاء خارجيين مثل اليونسكو والبنك الدولي وبنك التنمية الأفريقي، حسبما يظهر موقع اليونسكو الرسمي. هذا الاعتماد على الدعم الخارجي قد يحد من استقلالية القارة في تشكيل رؤيتها الخاصة لمستقبل الذكاء الاصطناعي.
  • ثالثاً: التشتت بين النماذج العالمية. تواجه أفريقيا صعوبة في بلورة نموذج تنظيمي خاص بها يعكس خصوصيتها التنموية والثقافية، في ظل التمايز بين النموذج الأوروبي الذي يركز على الحقوق والنموذج الصيني الذي يشدد على ضبط الدولة. ورغم محاولة فلسفة “أوبونتو” تقديم إطار قيمي، إلا أن ترجمة ذلك إلى سياسات قابلة للتنفيذ تبقى تحديًا.

يبقى التحدي الأكبر، وفقًا للتحليل المنشور على منصة مركز “فيوتشر برايفسي فوروم” للدراسات، هو الانتقال من المرحلة الحالية (2025-2026) المخصصة لإنشاء الهياكل وصياغة الاستراتيجيات الوطنية، إلى مرحلة التنفيذ الفعلي المقررة لعام 2028. وما لم يتم سد الفجوة بين الطموح المعلن والقدرة الإدارية والمالية الفعلية، فقد تجد القارة نفسها في موقع “متلقٍّ للقواعد” بدلاً من أن تكون شريكًا فاعلًا في صياغتها، مما قد يؤثر على قدرتها على الاستفادة من فرص الذكاء الاصطناعي وتخفيف مخاطره.

شاركها.