كشفت تجربة لعالمة سويدية عن مدى هشاشة الموثوقية في البحث العلمي، عندما نجح مرض مزيف اختلقته في 2026 في خداع أنظمة الذكاء الاصطناعي، بل وحتى بعض المنشورات العلمية. ألميرا عثمانوفيتش تونستروم، الباحثة بجامعة غوتنبرغ، سعت من خلال اختبار نماذج الذكاء الاصطناعي، لفهم مدى قابليتها لاستقبال المعلومات المضللة وتقديمها كنصائح موثوقة، وخاصة في المجال الصحي. هذا الأمر يثير تساؤلات جدية حول جودة البحث العلمي وانحداره.

المرض الذي صاغته، باسم “بيكسونيمانيا” (Bixonimania)، تم وصفه أعراضه بأنها تتمثل في ميل لون الجفون للون الوردي الخفيف، مصحوبا بألم أو حكة في العينين، وعزا سببه إلى قضاء وقت طويل أمام الشاشات. ورغم أن الهدف كان تسليط الضوء على ضعف الذكاء الاصطناعي، إلا أن التجربة كشفت عن تناقضات أعمق في المنهج العلمي نفسه.

المرض المزيف يرتدي ثوبًا علميًا

لإضفاء الشرعية على “بيكسونيمانيا”، قامت تونستروم بنشر معلومات مضللة على منصات علمية. في 15 مارس 2024، بدأت بنشر بيانات على موقع “ميديوم”، ثم تبعه نشر دراستين أوليّتين على شبكة “ساي بروفايلز” الأكاديمية في منتصف العام نفسه. وقد تم إنشاء صورة مؤلف وهمي، يدعى “لازليف إيزغوبليينوفيتش”، باستخدام الذكاء الاصطناعي، لتعزيز مصداقية الخبر.

ووفقاً لمجلة “نيتشر”، حرصت الباحثة على تضمين مؤشرات خفية على زيف المعلومات. اختارت اسماً للمرض يبدو “سخيفًا”، وهو “بيكسونيمانيا”، مع العلم أن كلمة “مانيا” تستخدم في علم النفس وليس في طب العيون. كما تدعمت الأوراق العلمية بجامعة وهمية تحمل اسم “جامعة أستيريا هورايزون” ومدينة خيالية، بالإضافة إلى توجيه شكر لأكاديمية “ستار فليت” من مسلسل خيال علمي.

فضلًا عن ذلك، تضمنت الأوراق العلمية عبارات صريحة تشير إلى طبيعتها المزيفة، مثل “هذه الورقة بأكملها مختلقة” و”تم اختيار 50 شخصًا خياليًا للدراسة”. هذه التفاصيل، التي قد تبدو واضحة، شكلت اختبارًا لقدرة الذكاء الاصطناعي والأنظمة الأكاديمية على التمييز بين الحقيقة والخيال.

نتائج فاقت التوقعات

على الرغم من هذه الإشارات الواضحة، استجابت العديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي بسرعة للمعلومات المضللة. في أبريل 2024، وصفت هذه الأنظمة “بيكسونيمانيا” بأنها “حالة نادرة ومثيرة”، وربطتها بالاستخدام المكثف للشاشات، بل وقدمت نصائح للمستخدمين بمراجعة أطباء العيون.

المفاجأة الأكبر، والتي تجاوزت نطاق التجربة المخطط له، كانت ظهور صدى هذا المرض المزيف في أبحاث علمية حقيقية. استشهدت دراسة منشورة في مجلة “كيوريوس” بالحالة الوهمية، قبل أن يتم سحبها لاحقاً بعد اكتشاف حقيقة الأمر. هذا الاستشهاد، حتى لو تم سحبه، يسلط الضوء على خلل منهجي في عملية مراجعة الأبحاث.

أثارت هذه التجربة نقاشًا حادًا في الأوساط العلمية. يرى فريق أنها أداة قيمة لتقديم درس عملي حول انتشار المعلومات المضللة، بينما يرى آخرون أنها تساهم في “تسميم” أنظمة الذكاء الاصطناعي بمحتوى مزيف، خاصة مع تزايد الاعتماد عليها في المجال الطبي. لم يشفع للباحثة أن تجربتها كانت لأغراض علمية بحتة، وأنها استشارت خبيرًا أخلاقيًا قبل البدء بها.

خطيئة علمية غابت عن الجدل

الدكتورة نجوى البدري، مديرة مركز التميز للخلايا الجذعية والطب التجديدي بمدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا، أشارت إلى أن الأمر الأخطر في هذه التجربة، والذي لم يحظ بالاهتمام الكافي، هو استشهاد بحث علمي حقيقي بمرض مزيف. وأوضحت البدري أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تستقي معلوماتها من الإنترنت، وأن مسؤولية التحقق من صحة هذه المعلومات تقع على المستخدم. ولكن، الخطر يتضاعف عندما يتصرف باحث علمي بنفس الطريقة، وينقل المعلومات دون تمحيص.

ترى البدري أن هذا السلوك يكشف عن رؤية بعض الباحثين للمنشورات العلمية كـ”نصوص مقدسة”، وهو ما يتعارض مع مبادئ البحث العلمي. تنص القواعد العلمية على ضرورة تقييم قيمة المجلة والدراسة، ومدى الثقة في الباحث، خاصة عند التعامل مع أمراض جديدة. يتطلب الأمر انتظار فترة للتأكد من توثيق الأعراض في مصادر متعددة.

وأكدت أنه للأسف، لم يتم تطبيق هذه القواعد في حالة “بيكسونيمانيا”. والأكثر غرابة هو الاستشهاد ببحث لا يزال في مرحلة ما قبل الطباعة، أي لم يخضع لمراجعة الأقران. هذا النوع من الاستشهاد، بحسب البدري، لا يختلف عن الاستشهاد بمعلومات من صفحة فيسبوك أو موقع غير علمي.

تثير هذه الواقعة تساؤلات حول مستقبل مصداقية البحث العلمي في عصر الذكاء الاصطناعي. بينما تواصل أدوات الذكاء الاصطناعي تطورها، ستصبح الحاجة ماسة إلى آليات أكثر صرامة لضمان جودة ودقة المعلومات العلمية، قبل أن تنتشر المعلومات المضللة وتتغلغل في النسيج المعرفي. يتوقع أن تزيد هذه التجربة من الوعي بضرورة تطوير أدوات تحقق أكثر فعالية، سواء على مستوى الذكاء الاصطناعي أو داخل المؤسسات البحثية نفسها.

شاركها.