في خطوة مفاجئة، أعلنت شركة ميتا، عملاق التكنولوجيا، إغلاق منصتها الرائدة في عالم الواقع الافتراضي “هورايزن وورلدز” (Horizon Worlds) على أجهزة نظارات “كويست” (Quest)، بعد استثمار ما يقدر بنحو 80 مليار دولار دون تحقيق العوائد المرجوة. يأتي هذا القرار، الذي تم الإعلان عنه في مارس/آذار الحالي، ليمثل نهاية لمرحلة طموحة بدأت في عام 2021، وبداية لتحول استراتيجي كبير نحو التركيز على تقنيات الذكاء الاصطناعي. هذه الاستدارة تعكس تحديات كبيرة واجهت الميتافيرس، وتشير إلى تغيير جوهري في رؤية الشركة للمستقبل.

كانت “هورايزن وورلدز” تمثل حجر الزاوية في رؤية مؤسس ميتا، مارك زوكربيرغ، لبناء “الميتافيرس”، وهو عالم افتراضي مترابط يتفاعل فيه المستخدمون. ومع ذلك، فشلت المنصة في جذب عدد كافٍ من المستخدمين لتحقيق النجاح المنشود. وقد سجل قسم “رياليتي لابس” (Reality Labs) التابع للشركة، والذي يتولى تطوير هذه التقنيات، خسائر تشغيلية ضخمة بلغت 19 مليار دولار في عام 2025 وحده، وفقًا لتقارير صحفية.

ميتا قررت توجيه الدفة بالكامل نحو البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات ونماذج “لاما” (شترستوك)

لم تكن الخسائر المالية وحدها الدافع وراء هذا القرار، بل كانت مؤشرًا على فجوة متزايدة بين الطموحات التكنولوجية الطموحة لشركة ميتا ورغبات المستخدمين الفعلية. حيث اتجهت الأنظار نحو الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي أثبت قدرته على تقديم قيمة ملموسة للمستخدمين في حياتهم اليومية، في حين ظلت تجارب الواقع الافتراضي المعقدة وغير العملية تقنيًا محل تردد لدى شريحة واسعة من الجمهور.

لماذا سقط “أفق” زوكربيرغ؟

يرى محللون أن محاولة ميتا فرض واقع افتراضي لم يكن جاهزًا له المجتمع، كانت بمثابة “دفن هادئ” لمشروع ضخم. فقد وصفت صحيفة “واشنطن بوست” هذا التوجه بأنه محاولة لبناء “سجن ذهبي” لم يكن المستخدمون مستعدين لدخوله، مشيرة إلى أن المستهلك هو سيد القرار في تبني التقنيات الجديدة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن طبيعة أجهزة الواقع الافتراضي التي لا تزال ثقيلة وغير مريحة تقنيًا، وقفت كعائق أمام انتشارها على نطاق واسع. وبالمقابل، لقيت أدوات الذكاء الاصطناعي، التي تدمج بسلاسة في الحياة اليومية، قبولًا واهتمامًا أكبر، وفقًا لتحليلات منصة “كلتشر أوف إنترنت” الهندية.

وقد اعترف أندرو بوزورث، المدير التقني لميتا، بهذا التباطؤ في نمو صناعة الواقع الافتراضي. وأكد أن تركيز الشركة سيتجه نحو “النظارات الذكية” القابلة للارتداء والمدمجة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، بدلًا من الانغماس الكامل في العوالم الافتراضية، وذلك حسبما نقل موقع “ذا فيرج” التقني.

FILE - Meta Chief Product Officer Chris Cox speaks at LlamaCon 2025, an AI developer conference, in Menlo Park, Calif., April 29, 2025. (AP Photo/Jeff Chiu, File)
“ميتا” أطلقت أنظمة ذكاء اصطناعي فائقة القدرة لتولي عمليات الإشراف على المحتوى (أسوشيتد برس)

الرهان الجديد

يبرز التحول الذي أجرته ميتا بأن الاستراتيجية الجديدة ترتكز على الاستثمار المكثف في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك تطوير رقائقها الخاصة “إم تي آي إيه” (MTIA) وتقوية نماذج “لاما” (Llama). وتهدف الشركة إلى تقليل اعتمادها على موردين خارجيين مثل إنفيديا وآبل، والتحكم بشكل كامل في مستقبل الذكاء الاصطناعي.

يعتقد الخبراء أن هذا التحول يمثل فرصة لميتا لإعادة بناء نظام تشغيل خاص بها، متجاوزة بذلك القيود التي تفرضها منصات مثل iOS. ووفقًا لمنصة “هايبر إيه آي” الصينية، فإن استحواذ ميتا على “الإدراك” من خلال الذكاء الاصطناعي، يمكن أن يكون هدفها الرئيسي، حتى لو كلفها ذلك خسارة مليارات الدولارات في محاولة بناء الميتافيرس.

وبينما أغلقت “هورايزن وورلدز”، فإن طموح زوكربيرغ بالريادة في “الإنترنت القادم” لم ينتهِ. فالاستثمار المتزايد في الذكاء الاصطناعي يشير إلى أن المستقبل قد لا يتمحور حول عوالم افتراضية نصممها، بل حول ذكاء اصطناعي يحيط بنا ويشكل تجاربنا اليومية. يبقى أن نرى كيف ستتطور هذه الاستراتيجية الجديدة، وما إذا كان هذا الرهان على الذكاء الاصطناعي سيحقق النجاح الذي فشل فيه الميتافيرس.

شاركها.