من خلف حدود الدول تنمو إمبراطوريات لا تعترف بالسيادة ولا بالقوانين في أمريكا اللاتينية، إذ لم تعد الجريمة المنظمة، وتحديداً الكارتيلات، مجرد نشاط إجرامي تقليدي بل تحولت إلى منظومة اقتصادية وسياسية متكاملة. تشكل هذه الكارتيلات “قوة موازية” قادرة على مناطحة الجيوش النظامية وفرض واقع جيوسياسي جديد يتجاوز سلطة الدولة الوطنية.

وفقًا لتقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تعيش المنطقة حالة من الاختلال الأمني الصارخ؛ فرغم أن نسبة سكان أمريكا اللاتينية لا تتجاوز 9% من إجمالي سكان العالم، فإنها تستأثر بنحو ثلث جرائم القتل عالميًا (33%). هذا العنف ليس نتاجًا عشوائيًا بل هو انعكاس لصراع “موازين القوى” بين الدولة والمنظمات الإجرامية، إذ ترتبط 40% من هذه الجرائم مباشرة بنشاط الكارتيلات التي باتت تشكل العمود الفقري لاقتصاد موازٍ ممتد من أدغال كولومبيا وصولًا إلى شوارع المكسيك.

جيل من قادة المخدرات في المكسيك انتهى به المطاف خلف القضبان أو تحت التراب (وكالات)

إنتاج قياسي وأرباح خيالية للكارتيلات

نجحت كارتيلات المخدرات، التي تُصنف بأنها “لاعب عابر للحدود”، في تطوير قدراتها الإنتاجية واللوجستية بشكل مذهل، متجاوزةً كل جهود المكافحة الدولية. ففي عام 2022، بلغ إنتاج الكوكايين العالمي 2700 طن، مسجلاً زيادة قياسية قدرها 20% خلال عام واحد فقط، بحسب تقرير لمراسل الجزيرة عبد القادر عراضة. هذا التنامي الكمي لم يكن سوى جانب من التحول، إذ انتقلت الكارتيلات إلى تطوير نوعية إنتاجها مع صعود المخدرات الاصطناعية التي غيرت موازين القوى المالية.

يبرز مخدر “الفنتانيل” بوصفه سلاحًا اقتصاديًا فتاكًا. ففي حين يُشترى الغرام الواحد منه في المكسيك بمبلغ يتراوح بين 3 آلاف و5 آلاف دولار، فإنه يحقق أرباحًا خيالية تصل إلى مليون و900 ألف دولار بعد توزيعه. هذه الفجوة الهائلة منحت الكارتيلات قدرة فائقة على اختراق المؤسسات وتجاوز الرقابة الحدودية عبر تهريب شحنات صغيرة الحجم ذات قيمة عالية، مما يهدد الاستقرار الإقليمي.

خريطة نفوذ الكارتيلات المتنامية

حدد تقرير الأمم المتحدة الإنمائي 4 مجموعات من الكارتيلات هي الأكثر فاعلية، وتمثل التهديد الأكبر للاستقرار الإقليمي والدولي:

يُصنَّف كارتيل “خاليسكو الجيل الجديد” كأكبر تهديد إجرامي حاليًا، ويمتد نفوذه من المكسيك والولايات المتحدة وصولًا إلى آسيا وأوروبا. يمتلك هذا الكارتل جيشًا يضم أكثر من 18 ألفًا و800 عضو وشريك، وينشط في إنتاج الفنتانيل وتهريب البشر وغسل الأموال.

يُعد كارتيل “سينالوا” أحد أقدم الكارتيلات وأخطرها في العالم، ونجح على مدار 50 عامًا في بناء شبكة تهريب عالمية معقدة وقدرات استخبارية ولوجستية هائلة. في المقابل، تُعد كارتل “كلان ديل غولفو” القوة الضاربة في كولومبيا، بجيش يتراوح ما بين 5 آلاف و13 ألف مسلح. تفرض هذه الكارتل سيطرته على مناطق جغرافية كاملة، وتدير أنشطة التعدين غير القانوني وتهريب البشر.

إلى جانب هذه المجموعات الكبرى، تبرز منظمات صاعدة مثل تنظيم “كوماندو دا كابيتال” (PCC) في البرازيل، الذي يدير إمبراطوريته من داخل السجون، و”كارتيل دي لوس سوليس” في فنزويلا، الذي تصنفه واشنطن منظمة إرهابية عابرة للحدود.

تحول الكارتيلات من الإجرام إلى الحوكمة

المصطلح الأكثر خطورة الذي يتبلور اليوم هو “الحوكمة الإجرامية” وفق التقرير الأممي. فبفضل العوائد المليارية والجيوش الجرارة، لم تعد الكارتيلات تكتفي بالهرب من القانون، بل أصبحت هي من “تضع القانون” في دول مثل البرازيل وفنزويلا وكولومبيا. تدير هذه المنظمات السجون، وتوفر الخدمات، وتفرض الضرائب، مما يؤدي إلى تآكل سيادة الدولة وتحويلها إلى مجرد هيكل هش أمام قوة “اللاعب العابر للحدود” ونفوذه.

تواجه الحكومات في أمريكا اللاتينية تحديًا غير مسبوق يتمثل في مواجهة هذه القوى المنظمة التي تشكل تهديدًا مباشرًا للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. إن مستقبل المنطقة قد يعتمد بشكل كبير على قدرة الدول على استعادة سلطتها وتعزيز سيادة القانون في مواجهة هذه الإمبراطوريات الإجرامية المتنامية.

شاركها.