موسكو تهدد باستخدام الأسلحة النووية في تصعيد خطير ضد كييف وباريس ولندن

هدد مسؤول أمني روسي رفيع، دميتري ميدفيديف، بضربات نووية على كييف وباريس ولندن الثلاثاء، وذلك في أعقاب تقارير غير مؤكدة من الكرملين تزعم أن فرنسا وبريطانيا تعملان على تزويد أوكرانيا بأسلحة نووية. تأتي هذه التهديدات في وقت تحيي فيه أوكرانيا الذكرى الرابعة لغزو روسيا الشامل، مما يزيد من حدة التوتر وسط مخاوف دولية متزايدة بشأن التصعيد المحتمل.

مزاعم الاستخبارات الروسية وعدم وجود أدلة

ادعت الخدمة الخارجية للاستخبارات الروسية (SVR) الثلاثاء أن “لندن وباريس” “تستعدان لتسليح كييف بقنبلة نووية”، متهمة حلفاء أوكرانيا بالسعي لتحقيق “نصر على روسيا بأيدي القوات المسلحة الأوكرانية”. سرعان ما تناقلت وكالات الأنباء الروسية الرسمية، مثل وكالة تاس، هذه المزاعم، وقامت حسابات موالية للكرملين على وسائل التواصل الاجتماعي بتضخيمها، مشاركة ادعاءات خدمة الاستخبارات الروسية بأن خطة فرنسا وبريطانيا تشكل “انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي”.

من جانبها، نفت أوكرانيا هذه الادعاءات بشدة. فقد صرح متحدث باسم وزارة الخارجية الأوكرانية لوكالة رويترز بأن “المسؤولين الروس، المعروفين بسجلهم المثير للإعجاب من الأكاذيب، يحاولون مرة أخرى اختلاق هراء القنبلة القذرة القديم”. كما فنّدت حساب “French Response” على منصة إكس (تويتر سابقًا)، المرتبط بوزارة الخارجية الفرنسية والمصمم لمعالجة المعلومات المضللة، هذه الادعاءات في منشور له، قائلة: “روسيا، بعد خمس سنوات تحكي فيها قصة ‘حرب الثلاثة أيام’، تفضل حقًا أن تركز على الأسلحة النووية الفرنسية والبريطانية”. وأضاف الحساب أن “المقامرة النووية لن تخفي الدعم الدولي الساحق لأوكرانيا في الذكرى الرابعة لـ ‘حرب الثلاثة أيام’ الفاشلة”.

في المقابل، رفضت وزارة الدفاع البريطانية التعليق علنًا على طلب للحصول على تعليق بشأن هذه المزاعم. ومع ذلك، أفادت شبكة سكاي نيوز بأن الحكومة البريطانية قد أكدت بالفعل أنه “لا يوجد أي أساس لهذه الادعاءات”.

موقف ألمانيا وخرق معاهدة عدم الانتشار النووي

تجاوزت ادعاءات خدمة الاستخبارات الروسية فرنسا وبريطانيا لتشمل ألمانيا، حيث زعمت أن الحكومة الألمانية رفضت المشاركة في هذا “المشروع الخطير”. وصرح متحدث باسم وزارة الدفاع الألمانية بأن الوزارة “لا تعلق على التقارير الإعلامية ولا تستجيب للتصريحات الصادرة عن مصادر كهذه”.

تعتبر مزاعم خدمة الاستخبارات الروسية، إذا صحت، انتهاكاً لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT). تنص هذه المعاهدة على أن الدول النووية المعترف بها لا يجوز لها نقل أسلحة نووية إلى الدول غير الحائزة للأسلحة النووية، مثل أوكرانيا. أوكرانيا بدورها، تنازلت عن ترسانتها النووية في عام 1994 بموجب مذكرة بودابست الأمنية، مقابل ضمانات أمنية من روسيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة.

سيناريوهات الردع وتعزيز القدرات العسكرية

من الناحية النظرية، فإن نقل أسلحة نووية من دولة إلى أخرى هو أمر غير مسبوق. وفي حين أن بعض الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) تشارك في تقاسم الأسلحة النووية، فإن أوكرانيا، لكونها ليست عضواً في الحلف، لن تكون مؤهلة لهذا النوع من الاتفاقيات. وقد أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مراراً تفضيله لانضمام بلاده إلى حلف الناتو على امتلاك أسلحة نووية، على الرغم من اعترافه بأن امتلاك السلاح النووي يمكن أن يكون رادعاً محتملاً إذا طال أمد انضمام كييف إلى الحلف.

في سياق متصل، تجدر الإشارة إلى المناقشات التي دارت في مؤتمر ميونيخ الأمني في فبراير الماضي، حيث تناول كل من المستشار الألماني فريدريش ميرز والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مسألة الردع النووي الأوروبي، بما في ذلك إمكانية التنسيق بين الحلفاء. اقتصرت هذه المناقشات على سياسات الردع، ولم تتطرق إلى نقل الأسلحة إلى أوكرانيا.

التضليل كاستراتيجية روسية لتشتيت الانتباه

يُشير الخبراء إلى أن وكالات الاستخبارات الروسية غالباً ما تنشر معلومات مضللة مشابهة قبيل أحداث بارزة، مثل الذكرى السنوية لغزو روسيا الشامل، بهدف تشتيت الانتباه عن ما يعتبره الكثيرون فشلاً عسكرياً موسكوياً. في عام 2022، زعمت روسيا أن كييف كانت تستعد لاستخدام ما يسمى بـ “قنبلة قذرة”، إلا أن مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) رفضوا هذه المزاعم بعد عدم العثور على أي دليل يدعمها.

يقول دينيس سينوسا، المحلل المختص في شؤون أوروبا وأوراسيا، إن الاستخبارات الروسية تسعى، من خلال نشر هذه المعلومات المضللة حول تواريخ ذاكرة، إلى “تشتيت الانتباه وتشوه الواقع، بشكل أساسي للجمهور المحلي”. وأضاف سينوسا أن “الرواية المتعلقة بتسليح فرنسا وبريطانيا لأوكرانيا بالأسلحة النووية لا أساس لها من الصحة، ولكنها تُنتقى لتشويه سمعة البلدين، وخاصة أمام الجمهور المحلي، في الوقت الذي يقودون فيه النقاش حول إرسال قوات إلى أوكرانيا في مرحلة ما بعد الحرب”.

الخطوات المستقبلية وتقييم الموقف

في ظل هذه التطورات، يظل العالم يراقب عن كثب التوترات المتصاعدة. وبينما ترفض الحكومات الغربية الادعاءات الروسية، يبقى احتمال التصعيد قائماً. من المتوقع أن تستمر أوكرانيا في تلقي الدعم العسكري من حلفائها الغربيين، في حين قد تستمر روسيا في استخدام استراتيجيات التضليل لتبرير أفعالها وزعزعة الاستقرار. تبقى قدرة المجتمع الدولي على الحفاظ على الاستقرار ومنع التصعيد النووي اختباراً مهماً للسنوات القادمة.

شاركها.