تُبرز جمهورية الجبل الأسود، المعروفة بجمالها الطبيعي الخلاب وشواطئها الساحرة، نفسها كوجهة سياحية متميزة في أوروبا، معتمدةً استراتيجية تقوم على الجودة والتميز بدلاً من الكم. تسعى البلاد، التي تتميز بمساحتها الصغيرة وتنوعها الكبير، إلى جذب السياح الباحثين عن تجارب أصيلة وفريدة، مستفيدة من تراثها الغني ومناظرها الطبيعية التي لم تمسها يد الإنسان.
الجبل الأسود: وجهة سياحية عالية الجودة
تؤكد وزيرة السياحة في الجبل الأسود، سيمونيدا كورديتش، على رؤية البلاد لوضع نفسها كوجهة سياحية مرموقة، تقدم خدمات وإقامات ذات جودة عالية. وتشير كورديتش إلى أن الطبيعة البكر للبلاد توفر إمكانيات واسعة للسياحة النشطة، خاصة للمسافرين الذين يتوقون للتجارب الأصيلة. وعلى الرغم من أن البلاد لا تتجاوز 620 ألف نسمة، إلا أنها استقطبت في السنوات الأخيرة حوالي 2.5 مليون زائر سنويًا، مما يعكس نجاح هذه الاستراتيجية.
تشكل السياحة ما يقرب من ربع الناتج المحلي الإجمالي للجبل الأسود، مما يجعلها ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني. وفي ظل اهتمام متزايد من قبل مجموعات الفنادق العالمية الكبرى مثل هيلتون، حياة، ميليا، راديسون، وإيبيروستار، التي بدأت في تطوير مجمعات فندقية فاخرة في مناطق مثل بورتو مونتينيغرو وخليج كوتور، تستثمر البلاد في تنمية شبكة فنادقها، والتي تضم الآن حوالي 500 منشأة، بما في ذلك فنادق من فئة الخمس نجوم وأماكن إقامة بوتيكية مصممة لجذب المسافرين ذوي الأذواق الرفيعة.
تواصل الجبل الأسود العمل على تحسين الاتصال الجوي، حيث ترتبط بحوالي 60 شركة طيران مع معظم الوجهات الأوروبية، مما يسهل وصول الزوار من أوروبا الغربية، بالإضافة إلى السياح من الولايات المتحدة والصين وإسرائيل. وتخدم المطارات الدولية في تيفاي وبودغوريتشا أكثر من 130 وجهة برحلات مباشرة، بما في ذلك خطوط حديثة تربط مدريد وبرشلونة بالعاصمة.
مفترق طرق الثقافات والطبيعة الخلابة
يمنح موقع الجبل الأسود الاستراتيجي على مفترق طرق تاريخي بين الشرق والغرب، بجوار صربيا والبوسنة والهرسك وكرواتيا وألبانيا وكوسوفو، البلاد تنوعًا ثقافيًا غنيًا يتجلى في هندستها المعمارية ومطبخها وتقاليدها. ويسمح الحجم الصغير للبلاد للزوار بتجربة تناقضات مدهشة، مثل تناول الإفطار في الجبال والاستمتاع بالبحر الأدرياتيكي في فترة ما بعد الظهيرة.
تُعد الجبل الأسود جنة طبيعية تضم خمس حدائق وطنية. يشتهر منتزه دورميتور الوطني، وهو من مواقع التراث العالمي لليونسكو، بجذب الآلاف من محبي المشي لمسافات طويلة. وبالقرب منه، يقع وادي تارا، ثاني أطول وادي في العالم، والذي تحيط به الغابات وبحيرات جبال الألب. كما اكتسب دير أوستروج الأرثوذكسي، المبني في القرن السابع عشر على منحدر صخري، أهمية دينية وتاريخية كبيرة.
ساحل البحر الأدرياتيكي: مركز الجذب السياحي
يُعد الشريط الساحلي الذي يمتد لحوالي 300 كيلومتر على طول البحر الأدرياتيكي هو الجزء الأكثر جذبًا للسياحة الدولية. وتُعد بودفا، بتاريخها الذي يعود إلى 2500 عام، مركزًا للسياحة في الجبل الأسود، وتشتهر بحياتها الليلية وشواطئها ويخوتها الفاخرة. وتقع مدينة أولسيني في الطرف الجنوبي، وتتميز بشاطئ فيليكا بلازا، الذي يعد من أطول الشواطئ في أوروبا.
تتضمن المدن الساحلية البارزة الأخرى سيتينيي وكوتور. سيتينيي، العاصمة الملكية السابقة، تقع بين خليج كوتور وبحيرة سكادار. أما كوتور، وهي مدينة مسورة من العصور الوسطى ومدرجة ضمن مواقع التراث العالمي لليونسكو، فتُعرف بـ “مدينة القطط” نظرًا لكثرة القطط التي تجوب شوارعها. ويُعد خليج كوتور، بجماله الطبيعي الأخاذ، أحد أروع المناظر التي تجمع بين الجبال والبحر.
في السياق الأوروبي الذي يتجه فيه المسافرون نحو التجارب الأصيلة والمستدامة، تقدم الجبل الأسود بديلاً جذابًا. مزيجها الفريد من الجبال الشاهقة، السواحل المضيئة، التراث التاريخي، والطموح الاستراتيجي، يجعلها اكتشافًا مهمًا في خريطة السياحة القارية. وتؤكد وزيرة السياحة أن البلاد تقدم “أسلوب حياة حقيقيًا، وليس منتجًا سياحيًا مصطنعًا”، مما يوفر تجربة جديدة وأصلية.
مع اعتمادها لليورو كعملة رسمية، ورغم عدم انتمائها للاتحاد الأوروبي، وتطلعها المستمر للعضوية، تضع الجبل الأسود نصب عينيها خطة واضحة لتحديد موقعها على الساحة الدولية. ومن المتوقع أن تسعى البلاد لتعزيز مكانتها كمرشح دائم لعضوية الاتحاد الأوروبي، مع تقديرات تشير إلى إمكانية الانضمام بحلول عام 2028. لم تعد الجبل الأسود تعتبر سراً، بل وجهة تطالب بمكانتها المستحقة على خريطة السياحة الأوروبية.





