يجتمع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا في نيودلهي، اليوم السبت، لبدء مرحلة جديدة من التعاون بين البلدين تتركز على “المعادن والعناصر الأرضية النادرة”. تأتي هذه القمة في وقت تندفع فيه الهند نحو الانفتاح على شركاء دوليين لتأمين سلاسل إمدادها ومواجهة الضغوط التجارية.

تأتي هذه المحادثات في أعقاب تفاهمات مماثلة أبرمتها الهند مع فرنسا والاتحاد الأوروبي، مما يعكس سعي نيودلهي لتوسيع هامش حركتها في النظام الدولي. تأتي زيارة لولا دا سيلفا للهند، على رأس وفد كبير يضم 11 وزيراً ومئات من رجال الأعمال، لتشكل محطة بارزة فيما يصفه الخبراء بـ”دبلوماسية القوى المتوسطة”.

تسارع توجه لولا (يسار) لتعميق الروابط مع الشركاء الآسيويين (الأوروبية)

دبلوماسية القوى المتوسطة

وتشير التقارير إلى أن هذه الزيارة تأتي في سياق استجابة لفرض الولايات المتحدة الأمريكية تعريفات جمركية على صادرات برازيلية وهندية، مما دفع البلدين نحو تعميق الشراكات لتنويع خياراتهما التجارية وتقليل الاعتماد على سلاسل إمداد متأثرة بالاضطرابات العالمية. ظلت العلاقات بين الهند والبرازيل، التي يصفها البعض بأنها “دون مستوى إمكاناتها” لعقود، تشهد تسارعاً في تطورها مؤخراً.

وتنتقل الهند، وفقاً لبعض التحليلات، من سياسة “الجوار أولاً” إلى بناء شراكات استراتيجية عابرة للقارات، لا سيما مع دول أمريكا اللاتينية، مدفوعة برغبة في تأمين موارد حيوية للمستقبل ودعم نموها الصناعي المتسارع. يُتوقع أن تصبح الهند رابع أكبر اقتصاد عالمي بحلول عام 2030.

ويُعد التركيز على “المعادن الحيوية” محور القمة. تمتلك البرازيل ثاني أكبر احتياطات العالم من العناصر الأرضية النادرة، وهي مواد أساسية للصناعات التكنولوجية المتقدمة، بما في ذلك السيارات الكهربائية والأجهزة الإلكترونية الحديثة.

المعادن النادرة: شراكة استراتيجية

تهدف الهند من خلال تعزيز التعاون مع البرازيل إلى تنويع مصادرها لـ”المعادن النادرة” وتقليل اعتمادها على الصين. هذا التوجه الاستراتيجي يأتي تزامناً مع خطط الهند لتوسيع قاعدتها الصناعية وتعزيز قدرتها التنافسية في الأسواق العالمية.

وتمتلك البرازيل، بحسب مصادر، ثروات طبيعية هائلة من العناصر الأرضية النادرة، مما يجعلها شريكاً مثالياً للهند الساعية لتأمين إمدادات مستقرة لهذه المواد. تتضمن هذه المعادن عناصر حيوية تدخل في صناعة التكنولوجيا المتقدمة، من الهواتف الذكية إلى محركات الطائرات.

وتشير التقديرات إلى أن أهمية العناصر الأرضية النادرة ستتزايد بشكل كبير خلال العقد القادم، مع تسارع التحول نحو الطاقة النظيفة والتقنيات الرقمية.

ما وراء المعادن: آفاق تعاون أوسع

لم تقتصر أجندة الزيارة على المعادن، بل شملت ملفات اقتصادية وتكنولوجية هامة. وقعت شركة “إمبراير” البرازيلية للطيران اتفاقية لتعزيز التصنيع المشترك للطائرات في الهند، مما يعكس رغبة البلدين في تطوير قطاعهما الصناعي.

وشارك الرئيس لولا في قمة للذكاء الاصطناعي في نيودلهي، مؤكداً على ضرورة أن تعم فوائد هذه التقنية دول الجنوب العالمي. بلغ حجم التبادل التجاري بين الهند والبرازيل نحو 15 مليار دولار في عام 2025، وتعتبر البرازيل أكبر شريك تجاري للهند في أمريكا اللاتينية، حيث تستورد منها السكر والنفط الخام والزيوت النباتية.

آفاق جديدة في العلاقات الثنائية

من المقرر أن يواصل الرئيس البرازيلي جولته الآسيوية بزيارة كوريا الجنوبية، مما يدل على أهمية تعزيز الشراكات في المنطقة. تتبع الهند نهج “تعدد الانحيازات” في سياستها الخارجية، سعياً لترسيخ مكانتها كقوة دولية صاعدة وتأمين احتياجاتها الإستراتيجية في ظل عالم متغير.

ويُتوقع أن تفتح هذه الشراكة الجديدة آفاقاً واسعة للتعاون الاقتصادي والتكنولوجي بين الهند والبرازيل. تبقى كيفية ترجمة هذه المبادئ إلى اتفاقيات ملموسة ومشاريع مشتركة هو التحدي الرئيسي الذي ينتظر البلدين في المرحلة القادمة.

تتجه الأنظار الآن نحو تقييم الأثر الفعلي لهذه الشراكة على سلاسل الإمداد العالمية لموارد الطاقة والتكنولوجيا، وتأثيرها على التوازنات الاقتصادية المستقبلية.

شاركها.