التوسع التركي في إفريقيا: هل يقوض الأهداف الأمريكية؟

تشهد القارة الإفريقية توسعًا ملحوظًا في النفوذ التركي، حيث تعزز أنقرة وجودها العسكري والتجاري والثقافي، مستفيدة من النزاعات والصراعات القائمة. يرى بعض المحللين أن هذا التوسع، خاصة في مبيعات الأسلحة، قد يتعارض مع الأهداف الأمريكية في المنطقة، بينما تؤكد تركيا على تعزيز علاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية.

تركيا تعزز مكانتها العسكرية والدبلوماسية في إفريقيا

يشير خبراء إلى أن تركيا تستغل بذكاء الفوضى والنزاعات المتزايدة في مناطق مثل السودان وإثيوبيا والصومال لتقوية حضورها العسكري والدبلوماسي والاقتصادي. وتعتبر أنقرة الآن من أبرز مزودي الأسلحة للقارة السمراء، مما يعني أن أي تصعيد للصراع قد يخدم مصالح الرئيس أردوغان في تعزيز نفوذه.

ضربات جوية أمريكية في الصومال: تزايد التهديدات الجهادية

في تطور منفصل، لكنه مرتبط بسياق التحديات الأمنية في إفريقيا، تقوم القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) بشن ضربات جوية ضد جماعات إرهابية في الصومال، مما يعكس تزايد التهديدات التي تشكلها هذه الجماعات على المصالح الأمريكية.

طائرات مسيرة تركية: بين الربح وتوازن القوى

تتهم تقارير حديثة شركات تركية بتزويد طرفي النزاع في السودان بطائرات مسيرة، وهو ما يثير قلق الولايات المتحدة التي تعمل على إنهاء الدعم العسكري الخارجي للأطراف المتحاربة. وصرح متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية لـ”فوكس نيوز ديجيتال” بأن “الولايات المتحدة تعمل مع حلفائها والآخرين لإنهاء الدعم العسكري الخارجي للأطراف، الذي يغذي العنف”.

تُسوق الطائرات المسيرة التركية كبدائل فعالة من حيث التكلفة وقليلة الاحتكاك السياسي مقارنة بالأنظمة الأمريكية أو الأوروبية، وقد انتشرت عبر مناطق الصراع في إفريقيا. وتشير “مريم وهبة”، باحثة لدى مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD)، إلى أن التقارير التي تفيد بتوريد شركات تركية لطائرات مسيرة لكل من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع (الجماعة المسلحة المعارضة) “تؤكد على النهج التجاري لأنقرة: الوصول والنفوذ يسبقان الاستقرار، حماية المدنيين، أو التوافق مع أهداف السياسة الغربية”.

صفقات أسلحة بملايين الدولارات

في تقرير لعام 2025، كتب “سينان صدي”، زميل أقدم ومدير البرنامج التركي في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، أن “الصفقة بين شركتي بايكار والقوات المسلحة السودانية تبلغ قيمتها 120 مليون دولار، وتتضمن بيع ست طائرات مسيرة من طراز TB2، وثلاث محطات تحكم أرضية، و600 قذيفة”. يدعي صدي أن الصفقة تمت بعد فرض الولايات المتحدة عقوبات على مثل هذه المبيعات.

على الرغم من الادعاءات ببيع طائرات مسيرة تركية لقوات الدعم السريع في السودان، إلا أن الشركة التي يُزعم تورطها نفت علنًا إجراء البيع. لم ترد الشركة على طلبات التعليق.

تركيا: استراتيجية توسيع النفوذ الإقليمي

ويرى محللون أن طائرة TB2 المسيرة، التي يُقال إنها بيعت للحكومة السودانية، تُصنعها شركة يملكها صهر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. وتُعد هذه الطائرة أرخص بكثير من الطائرات الأمريكية مثل ريبر. تشير بيانات القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا إلى أن تكلفة الطائرة الواحدة تتراوح بين 5 و 15 مليون دولار للنظام الكامل، بما في ذلك محطات التحكم الأرضية وأنظمة الاتصالات والتدريب، بينما تقدر التكاليف التشغيلية للطائرة TB2 ببضع مئات من الدولارات في الساعة.

العودة إلى الإمبراطورية العثمانية؟

في منطقة الساحل الإفريقي على وجه الخصوص، تدعي “مريم وهبة” أن تركيا تسعى للعودة إلى مبادئ إمبراطوريتها العثمانية، التي حكمت لقرون عززت خلالها ثقافة فرض الخلافات. وتعتبر وهبة هذا التطور مقلقًا لأنه “يهدد بتقويض المصالح الأمريكية. بالإضافة إلى دعم الحركات الإسلامية مثل حماس والإخوان المسلمين، وهو ما لا يبشر بالخير لتوجهها الأيديولوجي، تتبع أنقرة سياسة خارجية “عثمانية جديدة” تتجسد بالفعل في أجزاء من إفريقيا”.

صفقات تجارية أم استراتيجية توسع؟

يصف “سينان صدي” مبيعات الأسلحة التركية في إفريقيا بأنها “استراتيجية متعمدة لتوسيع النفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي لأنقرة في قارة تتنافس عليها القوى العالمية والإقليمية المتزايدة”. ويضيف أن “تصدير الطائرات المسيرة والأسلحة الصغيرة والخدمات الأمنية إلى دول هشة مثل السودان… يسمح لحكومة أردوغان بتقديم تركيا كبديل منخفض التكلفة وقليل الشروط للشراكات الغربية، وفي الوقت نفسه فتح أسواق جديدة لصناعتها الدفاعية المتنامية بسرعة. تهدف هذه التحويلات للأسلحة إلى شراء النفوذ الدبلوماسي، وتأمين الوصول إلى الموانئ والقواعد والعقود، وتنمية علاقات العملاء مع الأنظمة والميليشيات التي يمكن أن تعزز طموحات تركيا الإقليمية”.

سفيرات وشركات طيران: أدوات ناعمة للنفوذ

ارتفع عدد السفارات التركية في إفريقيا من 12 سفارة في عام 2002 إلى 44 سفارة حاليًا. وتعتبر “مريم وهبة” أن 64 وجهة إفريقية تسافر إليها الخطوط الجوية التركية مؤشرًا مفيدًا. “كشركة نقل مدعومة من الدولة، فإن توسعها السريع في الطرق المباشرة إلى العواصم الإفريقية يعكس أولويات تركيا الدبلوماسية والأمنية. تعمل شركة الطيران كممكن للقوة الناعمة والوصول لأجندة أنقرة الأوسع”.

التنافس مع الأولويات الأمريكية

تدعو وهبة إلى الاهتمام بهذا التوسع، لأن “نموذج أنقرة يتنافس بشكل متزايد، وفي كثير من الحالات يقوض مباشرة، الأولويات الأمريكية في تخفيف النزاعات والاستقرار”.

نظرة مستقبلية

يبقى التساؤل حول مدى استمرارية هذا التوسع التركي في إفريقيا وتأثيره طويل الأمد على ديناميكيات القارة والعلاقات الدولية. ومع استمرار الصراعات وتزايد الطلب على الأسلحة، قد نرى المزيد من الصفقات المماثلة، مما سيستدعي مراقبة دقيقة من قبل القوى الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، لتقييم تأثيرها على تحقيق أهدافها في إفريقيا.

شاركها.