كشفت وثائق داخلية حصلت عليها منظمة “American Oversight” الرقابية، ونشرتها وكالة “أسوشيتد برس”، أن مواطنًا أمريكيًا قُتل برصاص ضابط هجرة فدرالي في تكساس العام الماضي، في حادث ظل طي الكتمان لمدة 11 شهرًا من قِبل وزارة الأمن الداخلي. تثير هذه الواقعة تساؤلات جدية حول التعاملات الرسمية مع المواطنين، وتلقي بظلال من القلق على مصير المهاجرين في مواجهات مماثلة.
فتحت هذه الحادثة غير المسبوقة، التي ظلت مخفية لفترة طويلة، الباب أمام تساؤلات حقوقية ملحة. فإذا كان هذا هو المصير الذي واجهه مواطن أمريكي في ظل تكتم رسمي، فكيف هو حال المهاجرين الذين يقعون في مواجهة مباشرة مع هذه الوكالات بعيدًا عن أي رقابة؟
تداخل الصلاحيات: حوادث تتزايد
تكشف السجلات أن الحادث وقع بعد منتصف الليل في “ساوث بادري آيلاند”، حيث كانت قوة من “تحقيقات الأمن الداخلي” (HSI) تساعد شرطة محلية في إعادة توجيه حركة المرور إثر حادث سير. يمثل هذا التداخل في المهام نقطة جدل؛ إذ أن عناصر وحدة النخبة هذه، المكلفة بمكافحة الشبكات الإجرامية الدولية، تجد نفسها منخرطة في مهام مرورية، بما يشبه تحولها إلى “شرطة مرور” بمنظور أمني قتالي.
ووفقًا لتقرير وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك (ICE)، فقد حاصرت عناصرها سيارة “روبن راي مارتينيز” (23 عامًا) – وهو مواطن أمريكي يعمل في مستودع أمازون. وعندما “تسارعت المركبة للأمام” وصدمت أحد العناصر، قام مشرف خاص بإطلاق النار عدة مرات عبر نافذة السائق، مما أسفر عن مقتله.
“يطلقون النار ثم يسألون”: نمط مقلق
تُعد حالة مارتينيز، إلى جانب حالات أخرى مشابهة، مؤشرًا على نمط جديد من التعاملات. يرى مراقبون حقوقيون أن مقتل مواطنين أمريكيين بسجلات جنائية نظيفة يثير مخاوف كبيرة حول كيفية معاملة المهاجرين “غير النظاميين”، الذين يفتقرون للغطاء القانوني والصوت الإعلامي، في ظل غياب الشفافية.
وصرحت والدة الضحية، راشيل رييس، قائلة: “لم يمنحوا روبن فرصة.. يبدو أنهم يطلقون النار أولاً ثم يسألون لاحقًا”.
تكتم فدرالي وتساؤلات حول مصير المهاجرين
تشير “أسوشيتد برس” إلى أنه لم يصدر عن وزارة الأمن الداخلي أي بيان رسمي أو إخطار عام بمقتل مواطن أمريكي برصاص عملاء الهجرة طوال 11 شهرًا. لم تتكشف المعلومات إلا من خلال دعاوى قضائية بموجب قانون حرية المعلومات. ومن جانبها، أكدت والدة الضحية أن محققي ولاية تكساس أبلغوها بوجود مقاطع فيديو “تتعارض مع الرواية الفدرالية”.
هذا التعتيم الرسمي يثير تساؤلات حول حوادث مماثلة، خاصة تلك التي قد يكون ضحاياها من المهاجرين الذين لا تملك عائلاتهم القدرة على الملاحقة القضائية. وتشير الوقائع المتزايدة إلى نمط قد تتحول فيه قوات الهجرة إلى جهة تتجاوز صلاحياتها، مما ينذر بالمزيد من التصادمات.
حوادث في منيسوتا تثير الاحتجاجات
في يناير من العام الحالي، قُتلت الشاعرة رينيه نيكول غود (37 عامًا)، أم لثلاثة أطفال، برصاص أحد عناصر شرطة الهجرة، بعد وقت قصير من انتقالها للمدينة. بينما وصفتها إدارة ترامب بأنها “إرهابية محلية”، زعم قادة المدينة أنها كانت موجودة كمراقبة للاحتجاجات ضد دائرة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE).
ومجددًا في 24 يناير 2026، قُتل المواطن الأمريكي أليكس بريتي (37 عامًا)، الذي يعمل كمسجل ممرض في وزارة شؤون المحاربين القدامى، برصاص عناصر من دوريات الحدود الأمريكية في منيابوليس، مينيسوتا، وسط احتجاجات واسعة ضد وكالة ICE. وقد أدت هذه الحوادث إلى مزيد من الاحتجاجات ودعوات لخروج القوات الفدرالية من المدينة.
استجابةً للأوضاع، تم الإعلان عن إجراءات لتهدئة التوتر، بما في ذلك تقليص عدد أفراد إنفاذ قانون الهجرة في مينيسوتا بمقدار 700 فرد. كما تم نقل بعض القيادات في الوكالة، فيما تتواصل المواجهة القضائية بين سلطات الولاية والحكومة الفدرالية لسحب قوات الهجرة بالكامل.
وكالة (ICE) وحدود الصلاحيات
جدير بالذكر أن وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك (ICE) هي الذراع التنفيذية لوزارة الأمن الداخلي، وتشمل قسم “تحقيقات الأمن الداخلي” (HSI) المسؤول عن مكافحة الجرائم العابرة للحدود. وفي الأشهر الأخيرة، مع إعادة توجيه الأولويات نحو إنفاذ قوانين الهجرة بصرامة، تزايد احتكاك عملاء HSI بالمدنيين والمواطنين في الأماكن العامة، مما أسفر عن أحداث مميتة وتصادمات عديدة.
في ظل هذه التطورات، تبرز الحاجة الملحة لتوضيح صلاحيات وحدود عمل وكالات الهجرة الفدرالية، وسد الثغرات التي تسمح بوجود مثل هذه التعتيمات. يبقى السؤال حول ما إذا كانت التحقيقات المستمرة ستؤدي إلى تغييرات ملموسة في سياسات إنفاذ القانون، خاصة فيما يتعلق بمعاملة المواطنين والمهاجرين على حد سواء، وتحديدًا بشأن الشفافية في الحوادث التي تقع.






