في خطوة تاريخية تعكس سباق التسلح النووي المتجدد، نجحت وزارتا الطاقة والدفاع الأمريكيتان لأول مرة في نقل مفاعل نووي مصغر محمول جواً، مما يفتح الباب أمام نشر أسرع للطاقة النووية للأغراض العسكرية والمدنية. هذا الإنجاز، الذي تمثّل بنقل المفاعل من ولاية كاليفورنيا إلى ولاية يوتا، يهدف إلى تعزيز القدرات الاستراتيجية للولايات المتحدة في عصر الحروب الحديثة.

انطلقت طائرة نقل عسكرية من طراز “سي-17 غلوب ماستر 3” من قاعدة مارش الجوية الاحتياطية في كاليفورنيا، حاملةً معها المفاعل النووي الصغير، في رحلة استغرقت حوالي 800 كيلومتر لتصل إلى قاعدة هيل الجوية في يوتا. ومن المقرر أن يخضع المفاعل، المصمم للتطبيقات العسكرية والمدنية، قبل نقله لاحقًا إلى مختبر سان رافائيل للطاقة في يوتا لإجراء سلسلة من الاختبارات والتقييمات المكثفة.

المفاعل النووي المصغر: سلاح الطاقة الجديد

يُعد هذا المفاعل النووي الصغير، الذي تطوره شركة “فالار أتوميكس” ومقرها كاليفورنيا، قطعة تكنولوجية متقدمة بحجم حافلة صغيرة تقريباً. تبلغ قدرته الإنتاجية القصوى 5 ميغاواط من الكهرباء، وهو ما يكفي لتزويد ما يقارب 5 آلاف منزل بالطاقة. وتخطط وزارة الطاقة الأمريكية لبدء تشغيل المفاعل في يوليو/تموز المقبل بقدرة أولية تبلغ 100 كيلوواط، مع خطط لزيادتها تدريجياً لتصل إلى 250 كيلوواط في نهاية العام، قبل الوصول إلى طاقته الكاملة.

وتأتي هذه الخطوة كجزء من استراتيجية أوسع للولايات المتحدة لتسريع وتيرة تطوير ونشر الطاقة النووية. وفي تعليق لافت، أكد مايكل دافي، وكيل وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) للاستحواذ والاستدامة، أن “تزويد الجيل القادم من الحروب بالطاقة يتطلب أن نتحرك بوتيرة أسرع من خصومنا، وأن نبني نظامًا لا يقتصر دوره على تجهيز مقاتلينا للقتال فحسب، بل يمكّنهم من تحقيق النصر بسرعة فائقة”. وأضاف دافي أن هذه الخطوة تمثل “نحو بناء هذا النظام عبر دعم القاعدة الصناعية وقدرتها على الابتكار، وتسريع إيصال الطاقة المستدامة إلى حيث تشتد الحاجة إليها”.

الأمن القومي والاستدامة

تشير وزارة الحرب الأمريكية إلى أن هذه المفاعلات الصغيرة توفر مرونة استراتيجية وأمنًا للطاقة للقواعد العسكرية، مما يقلل من الاعتماد على شبكات الكهرباء المدنية التقليدية. وفي سيناريوهات العمليات العسكرية الخارجية، يتيح وجود هذه المفاعلات للقوات الأمريكية العمل بكفاءة أكبر، دون القلق من احتمال قطع العدو لإمدادات الوقود الحيوية.

ولدت هذه الخطوة ردود فعل متباينة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث أثارت جدلاً واسعاً حول الآثار المترتبة على نقل الطاقة النووية. فقد اعتبر البعض هذه الخطوة “ثورة علمية” يمكن أن تمهد الطريق لاستكشافات فضائية مستقبلية، فيما تناول آخرون الموضوع بسخرية وانتقاد، خاصة وأن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب كان قد أصدر أوامر تنفيذية لتنشيط القاعدة الصناعية النووية وإصلاح هيئات التنظيم النووي.

من جهة أخرى، دعا البعض إلى عدم التهويل من أهمية نقل المفاعل، مشيرين إلى أن الطائرات التي تحمل أسلحة نووية تحمل في طياتها مخاطر مشابهة، وأن المفاعلات النووية تتطلب بنية تحتية معقدة. يبقى أن نرى كيف ستتطور هذه التكنولوجيا وتأثيرها على المشهد الجيوسياسي العالمي.

يجدر بالذكر أن الرئيس الأمريكي أصدر في مايو/أيار من العام الماضي أربعة أوامر تنفيذية تهدف إلى “تنشيط القاعدة الصناعية النووية”، و”إصلاح اختبار المفاعلات النووية في وزارة الطاقة”، و”إصلاح هيئة التنظيم النووي”، و”نشر تقنيات المفاعلات النووية المتقدمة للأمن القومي”. وتُعد خطوة نقل المفاعل النووي المصغر أحدث تجلٍ لهذه التوجهات الاستراتيجية.

شاركها.