في ظل دخول الحرب في أوكرانيا عامها الخامس، لم تعد قضية الأراضي وحدها التحدي المركزي الذي يواجه موسكو وكييف، بل تحول الأمر إلى أزمة القوى البشرية. وتشير التقديرات الغربية إلى أن الخسائر العسكرية الأوكرانية تتراوح بين 500,000 إلى 600,000 فرد منذ عام 2022، بما في ذلك أكثر من 100,000 قتيل، بينما يعتقد أن روسيا تكبدت حوالي 1.2 مليون خسارة. وقد تقترب الخسائر الإجمالية في ساحات القتال على الجانبين من مليوني فرد، وفقًا لتحليلات حديثة.
الآن، في بيان حصري لشبكة فوكس نيوز الرقمية، قالت منظمة حقوق الإنسان الأوكرانية “Truth Hounds” إن روسيا تلجأ بشكل متزايد إلى الأجانب المستضعفين، بمن فيهم مجندون من أفريقيا وآسيا، من خلال ممارسات تجنيد قسرية وخادعة قد ترقى في بعض الحالات إلى الاتجار بالبشر.
أزمة القوى البشرية الروسية وتجنيد الأجانب
تؤكد منظمة “Truth Hounds” أن أنماط التجنيد في مختلف البلدان والمناطق متشابهة إلى حد كبير، وتحدد فئتين رئيسيتين للمقاتلين الأجانب. الفئة الأولى تشمل الأشخاص الموجودين بالفعل في روسيا، مثل الطلاب والعمال المهاجرين. أما الفئة الثانية، فتضم أولئك الذين تم تجنيدهم في بلدانهم الأصلية.
وفقًا للمنظمة، وعد العديد من المجندين بوظائف مدنية برواتب أعلى بكثير مما هو متاح في بلدانهم، لكنهم أُجبروا لاحقًا على توقيع عقود عسكرية مكتوبة باللغة الروسية دون ترجمة. وفي العديد من هذه الحالات، سواء تم التجنيد خارج روسيا أو داخلها، هناك وفرة من الحقائق التي تشير إلى احتمالية الاتجار بالبشر.
ذكرت المنظمة أنها وثقت حالات تعرض فيها أفراد محتجزون داخل روسيا للضرب أو التعذيب أو الإكراه بأشكال أخرى للتوقيع على عقود عسكرية. وفي ظل هذه الظروف، يصعب وصف انضمامهم إلى الجيش الروسي بأنه طوعي. بل تشير هذه الحالات إلى الإكراه على الخدمة العسكرية والاستغلال، وهي أنماط متسقة عبر الحالات الموثقة عالميًا فيما يتعلق بممارسات التجنيد الروسية.
إحصائيات مقلقة حول المجندين الأجانب
تستشهد المنظمة بأرقام من مقر التنسيق الأوكراني لشؤون أسرى الحرب، توضح أن أكثر من 18,000 أجنبي انضموا إلى الجيش الروسي حتى أواخر العام الماضي، وأن هذا العدد مستمر في النمو. وكشفت مقابلات أجرتها “Truth Hounds” مع أسرى حرب أجانب، بمن فيهم عدة أفراد من دول أفريقية، عن أنماط تجنيد مماثلة.
ووفقًا لتقرير نشرته منظمة INPACT في فبراير 2026، انضم ما يقرب من 1,500 أفريقي بين عامي 2023 ومنتصف 2025. وتوفي 316 منهم بسبب الظروف القاسية لمسافة بضعة كيلومترات في أوكرانيا، بمعدل خسارة بلغ 22%. ولا يزال العديد الآخرون في عداد المفقودين أو لا يمكن لعائلاتهم الوصول إليهم.
في الوقت نفسه، حذرت المنظمة من أن ليس كل المجندين الأجانب أُجبروا على الخدمة، مشيرة إلى أن البعض انضم مع فهم كامل لغرض سفرهم إلى روسيا وشروط العقد، على الرغم من أن نسبة هؤلاء لا تزال غير واضحة.
ردود فعل دبلوماسية وقانونية
تأتي هذه الاتهامات في الوقت الذي بدأ فيه قادة أفارقة بالتطرق إلى هذه القضية علنًا. فقد صرح وزير الخارجية الكيني بأن نيروبي ستتفاوض مع السلطات الروسية بشأن تجنيد مواطنين كينيين. ونقلت وكالة رويترز عن مصادر أن الرئيس الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا أثار مخاوفه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعد تلقي مكالمات استغاثة من مواطنين جنوب أفريقيين يعتقد أنهم عالقون في الصراع.
تشير “Truth Hounds” إلى أن الوضع القانوني للمقاتلين الأجانب يمثل تداخلًا معقدًا بين القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان. حيث يُعامل الأفراد الذين يوقعون عقودًا مع وزارة الدفاع الروسية كأعضاء في القوات المسلحة ويحق لهم الحصول على حماية أسرى الحرب. ومع ذلك، قد تستوفي بعض الحالات أيضًا معايير الاتجار بالبشر، مما يثير أسئلة قانونية إضافية.
يبقى السؤال الرئيسي هو كيفية وقف روسيا بشكل فعال عن تجنيد هؤلاء الأفراد ومساءلتها عن الحيوات المدمرة لأولئك الذين انتهى بهم المطاف هناك بالفعل، وفقًا للمنظمة.
مستقبل أزمة القوى البشرية
في السابق، ذكرت موسكو أن الأجانب قد يلتحقون بقواتها المسلحة طوعًا. ولم تعترف علنًا بممارسات التجنيد القسرية. ومع استمرار الحرب، تتجاوز المعركة على القوى البشرية الحدود الأوروبية، وتجذب السكان المستضعفين من أفريقيا وآسيا، وتثير تحديات دبلوماسية وقانونية جديدة للحكومات البعيدة عن خطوط الجبهة. يبقى الرهان الآن على ما إذا كانت الجهود الدبلوماسية والقانونية ستتمكن من معالجة هذه الأزمة الإنسانية المتنامية.






