في عصر التحول الرقمي، تتسارع وتيرة جمع البيانات الشخصية، مما يثير تساؤلات جوهرية حول مدى وعي المستخدمين بما يحدث “خلف كواليس” تجاربهم الرقمية. فالمسألة لم تعد مجرد “تجسس” بالمعنى التقليدي، بل تطورت لتشمل بناء نماذج تفصيلية للفرد بناءً على تفاعلاته وسلوكياته الرقمية.

فك شفرة “التجسس” التقني.. الميكروفون أم الخوارزمية؟

الاعتقاد السائد بأن التطبيقات تستمع لمحادثاتنا عبر الميكروفون هو تبسيط مخل. بينما قد يكون هناك حالات محدودة، فإن التقنية الحديثة أثبتت أن الاعتماد على تحليل الصوت المستمر لمليارات المستخدمين يتطلب قوة حوسبة هائلة وغير عملية. القلق الحقيقي يكمن في قدرة الخوارزميات المتطورة على تحليل سلوك المستخدم بدقة فائقة.

تعتمد المنصات الرقمية على ما يسمى “الاستهداف التنبئي”، حيث تقوم بتتبع أدق تفاصيل تفاعلات المستخدم، من موقعك الجغرافي وسلوك التصفح إلى مدة تأملك لمحتوى معين. هذه البيانات تُستخدم لبناء شخصية رقمية مفصلة، مما يتيح للتطبيقات توقع احتياجاتك وتقديم محتوى إعلاني أو توصيات تتناسب مع هذه التوقعات.

على سبيل المثال، إذا كنت تتواجد بالقرب من صديق يبحث عن معدات تخييم، فإن تقارب موقعكما والتشابه في اهتمامات البحث قد يدفع الخوارزمية للافتراض بأنكما تناقشتما في هذا الموضوع، وبالتالي تظهر لك إعلانات متعلقة بمعدات التخييم. هذا التأثير المباشر يعطي انطباعا قويا بأن التطبيق “استمع” للمحادثة.

كشفت تحقيقات بي بي سي عن قدرة تطبيق تيك توك على تتبع “نقرات المفاتيح” عبر متصفحه الداخلي (شترستوك)

تيك توك تحت المجهر

تعد منصة تيك توك مثالاً بارزاً للقلق المتزايد حول خصوصية البيانات. سلسلة من التحقيقات المعمقة التي أجرتها هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) كشفت عن تفاصيل تقنية تثير تساؤلات حول أمن البيانات الوطنية والفردية.

أشارت تحقيقات بي بي سي إلى أن تيك توك يستخدم متصفحاً مدمجاً داخل التطبيق، يمنحه القدرة على تتبع “نقرات المفاتيح” عند فتح الروابط الخارجية. نظرياً، يمكن لهذه الخاصية رصد كل ما يقوم المستخدم بكتابته، بما في ذلك كلمات المرور ومعلومات الدفع الحساسة.

بالإضافة إلى ذلك، أوضحت التقارير أن التطبيق كان يراقب محتويات “النسخ واللصق” في هواتف المستخدمين بشكل متكرر. هذه الثغرة قد تعرض معلومات بالغة الحساسية من تطبيقات أخرى للخطر.

وقد ركزت تحقيقات بي بي سي على العلاقة بين شركة “بايت دانس” الصينية والحكومة في بكين. رغم نفي الشركة المتكرر، أكدت تقارير استقصائية وجود وصول لموظفين داخل الصين إلى بيانات مستخدمين في الغرب، وهو ما أدى إلى حظر التطبيق على هواتف المسؤولين الحكوميين في عدة دول.

آليات جمع البيانات.. “الروح الرقمية”

تعتمد المنصات الرقمية على محاور متعددة لجمع البيانات وبناء “توأمك الرقمي”:

١- بكسل التتبع (Tracking Pixels): تُزرع هذه الأكواد غير المرئية في ملايين المواقع الإلكترونية. عندما تتصفح منتجاً معيناً أو تضيفه إلى سلة التسوق، يرسل البكسل إشارة إلى المنصة لتعرف اهتمامك بهذا المنتج، حتى لو لم تكتمل عملية الشراء.

٢- الارتباط الاجتماعي (Social Mapping): تتعرف الخوارزميات على شبكة علاقاتك الاجتماعية واهتمامات أصدقائك وعائلتك. بناءً على ذلك، يمكنها التنبؤ باحتياجاتك بناءً على سلوك محيطك.

٣- تحليل البيانات الوصفية (Metadata): حتى في غياب النشر المباشر للمحتوى، يمكن للمنصات جمع معلومات مثل نوع الهاتف، قوة إشارة الشبكة، مستوى شحن البطارية، ونوع الاتصال (Wi-Fi أو بيانات الهاتف). هذه البيانات تساهم في تحديد خصائص المستخدم الاجتماعية والجغرافية.

٤- سماسرة البيانات (Data Brokers): تقوم المنصات بشراء بيانات ضخمة من شركات متخصصة تقدم معلومات حول سجلات المستخدمين الصحية، أنماط الشراء، والتاريخ الائتماني، ثم تدمجها في الملفات الإعلانية.

هل الخصوصية ممكنة اليوم؟

إن التنازل عن جزء من الخصوصية أصبح أمراً واقعاً للمشاركة في الحياة الرقمية المعاصرة. ومع ذلك، فإن الوعي التقني يمثل الخطوة الأولى نحو استعادة جزء من السيطرة. تقنيات مثل “شفافية تتبع التطبيقات” في أنظمة التشغيل الحديثة، واستخدام متصفحات مشفرة، تساهم في الحد من تسرب البيانات.

الصراع الأساسي لشركات التكنولوجيا لا يقتصر على مراقبة المحادثات اليومية، بل يمتد إلى التأثير على القرارات المستقبلية للمستخدمين، بدءاً من قرارات الشراء وصولاً إلى الاهتمامات السياسية وحتى تبني الأفكار. فإذا تمكنت الخوارزمية من التنبؤ برغبات الفرد قبل إدراكه هو لها، فإن هذا يشير إلى “تأجير” جزء من إرادته الحرة لصالح جهات إعلانية.

للاستعادة جزء من خصوصيتك، يمكنك اتباع بعض الإجراءات الأساسية:

  • تعطيل الوصول الدائم للموقع: قم بتعيين التطبيقات لاستخدام موقعك “عند استخدام التطبيق فقط”، بدلًا من الوصول المستمر.
  • مراجعة أذونات الميكروفون: تحقق من التطبيقات التي تطلب الوصول إلى الميكروفون، وتأكد من أن الأذونات ضرورية ومناسبة لوظيفة التطبيق.
  • مسح سجل التتبع: قم بزيارة إعدادات حساباتك على منصات مثل جوجل وفيسبوك بانتظام، وامسح “النشاط خارج التطبيق” وبيانات التتبع المخزنة.
Shanghai,China-July 30th 2023: X (new Twitter), Threads, Facebook, YouTube, Instagram, WeChat, WhatsApp. Douyin(TikTok) and Sina Weibo app icons. Assorted online social media software brands
الشركات لا تحتاج للميكروفون غالبا، بل تستخدم “بكسل التتبع” لمراقبة نشاط المستخدمين على وسائل التواصل (غيتي)

يرى المراقبون أن المعركة الحقيقية اليوم لا تقتصر على خصوصية الاتصالات، بل تمتد إلى “السيادة الذهنية” للمستخدم. فالشركات لا تقدم مجرد أدوات للتواصل، بل تنشئ منظومات هندسية سلوكية متطورة تهدف إلى فهم الشفرات النفسية واستغلال نقاط الضعف البشرية.

لم يعد “التجسس” مجرد مراقبة للماضي، بل أصبح صناعة استباقية للتنبؤ بالمستقبل. فالشركات لا تريد معرفة ما فعلته بالأمس فحسب، بل تطمح إلى تحديد ما ستفعله غداً، وما ستشتريه، وحتى ما ستشعر به. عندما تتنبأ الخوارزمية برغبات الفرد قبل أن يدركها بنفسه، فإنها لا تخدمه، بل “تستأجر” جزءاً من إرادته الحرة لأغراض تجارية.

تصبح البيانات بذلك “الظل الرقمي” الذي يرافق مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، وكل تفاعل هو بصمة تُضاف إلى سجل لا يُنسى. يبقى السؤال الجوهري الذي يواجه كل مستخدم: هل نتحكم حقاً في أجهزتنا، أم أننا مجرد عناصر في خوارزمية كبرى تفهمنا أكثر مما نفهم أنفسنا؟

شاركها.