شهدت مدينة ليون الفرنسية أحداثًا مؤسفة أدت إلى وفاة الناشط اليميني المتطرف، كوينتين ديرانك (23 عامًا)، بعد تعرضه لاعتداء وحشي. تسببت هذه الحادثة في موجة من المعلومات المضللة والاتهامات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث سارع نشطاء وسياسيون يمينيون متطرفون إلى نشر أسماء مزعومة لأفراد متورطين في مقتل ديرانك، مما فاقم من حالة التوتر والانقسام.

وقد اعتقلت السلطات الفرنسية أربعة شبان في العشرينات من العمر، أحدهم مساعد برلماني عن حزب “فرنسا الأبية” اليساري. يأتي هذا التطور بعد انتشار واسع لقصص متضاربة وصور زائفة لديرانك، فيما تتواصل التحقيقات لكشف ملابسات الاعتداء وتحديد المسؤولين عنه.

الغموض يكتنف ملابسات مقتل كوينتين ديرانك

وقعت الأحداث التي أدت إلى وفاة ديرانك على هامش مؤتمر نظمته النائبة الأوروبية عن حزب اليسار الراديكالي، ريما حسن، في معهد الدراسات السياسية (Sciences Po) في ليون. وبحسب شهادة من جماعة “نيميسيس” النسوية اليمينية المتطرفة، كان ديرانك برفقة حوالي 15 رجلاً لتقديم المساعدة الأمنية في احتجاج نظموه خارج المؤتمر. وذكرت الجماعة أن هؤلاء الرجال لم يتمكنوا من أداء مهامهم الأمنية بسبب مطاردتهم من قبل مجموعة من “الناشطين المناهضين للفاشية”.

وحسب مكتب المدعي العام في ليون، تعرض ديرانك وشخصان آخران لاعتداء بالضرب المبرح من قبل ما لا يقل عن ستة أفراد. تمكن اثنان من الفرار، بينما ظل كوينتين ديرانك على الأرض. وعلى الرغم من ادعاءات جماعة “نيميسيس” بأن ديرانك كان يقدم المساعدة الأمنية، أكد محامي عائلته في 13 فبراير أنه لم يكن “حارسًا أمنيًا أو عضوًا في أي خدمة تنظيم أو أمن”، وأن سجله الجنائي خالٍ من أي سوابق.

اتهامات وتحريض على الكراهية ضد ناشطين يساريين

قبل الإعلان الرسمي عن الاعتقالات، شهدت وسائل التواصل الاجتماعي حملة شعواء ضد ما يُزعم أنهم متورطون في القضية. تم نشر أسماء وعناوين وصور لعدد من المشتبه بهم المزعومين، الذين لم ترد أسماؤهم ضمن قائمة المعتقلين الرسمية. هذا الأمر عرض الأفراد وعائلاتهم لموجة من المضايقات والتهديدات.

من بين الأسماء التي تم تداولها بكثافة، اسم بلاندين باردينيه، حيث قام ناشطون يمينيون متطرفون، مثل داميان ريو، بنشر صور غير مترابطة للشابة مع مقاطع فيديو للاعتداء على ديرانك، مدعين تطابق ملابسها مع ملابس أحد المهاجمين. كما ساهمت نودونغ يوريديس، وهي سياسية محلية عن حزب “ريكونكويست” اليميني المتطرف، في نشر اسم باردينيه، مدعيةً أنه تم “تحديد هويتها بشكل رسمي”، وهو ما نفته مصادر مطلعة.

صرح محامي بلاندين باردينيه، رافائيل كيمبف، بأنهم سيتخذون إجراءات قانونية ضد الأفراد الذين نشروا ادعاءات كاذبة. وأوضح في بيان بالبريد الإلكتروني: “سيتم تقديم شكاوى ضد الأفراد الذين يواصلون تداول هذه الأكاذيب، وسيتعين عليهم المثول أمام المحكمة لشرح مواقفهم. لقد تصرف العديد من المؤثرين اليمينيين المتطرفين على مدى أيام وكأنهم محققون ووكلاء نيابة، وعاملوا متابعيهم كأنهم هيئة محلفين، ونشروا الأسماء، محرضين على موجات من الكراهية والتهديدات”.

وأكد كيمبف أن موكلته لم تكن حاضرة في ليون في ليلة وقوع الحادث، وأنها “غادرت فرنسا للسفر إلى الخارج في اليوم السابق، الأربعاء 11 فبراير، لقضاء فترة مخططة لعدة أشهر”. ونفى بشكل قاطع تورطها في الاعتداء، مشيراً إلى أن الصور المتداولة تم تحليلها بشكل خاطئ. جدير بالذكر أن باردينيه كانت ناشطة في حركة “الجارد الشاب” المناهضة للفاشية، والتي تم حلها من قبل الحكومة في يونيو 2025.

وفي بيان صحفي، نفت حركة “الجارد الشاب” مسؤوليتها عن “الأحداث المأساوية” التي وقعت في ليون، مؤكدة أنها “علقت جميع أنشطتها” بعد حلها. ومع ذلك، أشار وزير الداخلية الفرنسي، لوران نونيز، في مقابلة مع قناة “فرانس 2” إلى احتمال مسؤولية الحركة في مقتل ديرانك، مؤكداً أن التحقيقات ستؤكد ذلك.

انتشار صور زائفة لديرانك

في سياق متصل، انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي صور متعددة يُزعم أنها لديرانك، إلا أن الصور الوحيدة الموثوقة التي نشرتها عائلته كانت في صحيفة “لو فيغارو” الفرنسية. إحدى الصور التي تم تداولها على نطاق واسع تعود في الواقع إلى ديلان غويتشاوا، وهو ممثل محلي عن فرع الشباب في حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف. وقد أوضح غويتشاوا عبر فيسبوك أنه لا علاقة له بالأحداث المدعى بها.

كما تم استخدام صور أخرى تحمل اسم كوينتين مع عبارات تعاطف، وهي تعود في الحقيقة لكوينتين بيرون، شاب بلجيكي توفي في حادث سيارة عام 2024. الأدهى من ذلك، تم استخدام الذكاء الاصطناعي لتوليد صور لديرانك، وتم نشرها من قبل حسابات يمينية متطرفة مع تعليقات مثل “اليسار المتطرف يقتل. دعم لكوينتين”.

تواصل الجهات المختصة التحقيق في ملابسات الحادث، وتحديد هوية جميع المتورطين. ومع وجود معلومات متضاربة وصور زائفة، تأتي الاعتقالات الرسمية لتسلط الضوء على تضارب الروايات وصعوبة الوصول إلى الحقيقة في خضم حملات التضليل التي تشعلها المنصات الرقمية.

شاركها.